فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 246

رابعًا: دلالة الفطرة: الإيمان بالقدر يتضمن _ كما مرَّ _ علم الله بالأشياء، وكتابته لها، ومشيئته، وخلقه.

وهذه الأمور معلومة بالفطرة.

وكذلك فإن الإيمان بالقدر معلوم بالفطرة قديمًا وحديثًا، ولم ينكره إلا الشواذُّ من المشركين من الأمم، ولم يقع الخطأ في نفي القدر وإنكاره، وإنما وقع في فهمه على الوجه الصحيح؛ ولهذا قال _ سبحانه _ عن المشركين: [سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا] سورة الأنعام: 148 (1) .

فهم أثبتوا المشيئة لله، لكنهم احتجوا بها على الشرك، ثم بيَّن _سبحانه_ أن هذا هو شأنُ من كان قبلهم، فقال: [كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ] سورة الأنعام: 148.

وكانت العرب في الجاهلية تعرف القدر ولا تنكره، ولم يكن هناك من يرى أن الأمر مستأنف.

وهذا ما نجده مبثوثًا في أشعارهم كما مر في المقدمة، وكما في قول عنترة:

يا عبلُ أين من المنية مهربي ... إن كان ربي في السماء قضاها (2)

وكما في قول طرفة بن العبد:

فلو شاء ربي كنت قيسَ بن خالدٍ ... ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد (3)

وقول سويد بن أبي كاهل (4) :

كتب الرحمنُ والحمد له ... سَعَةَ الأخلاقِ فينا والضَّلَعْ (5)

(1) انظر جامع البيان لابن جرير 5/79.

(2) ديوان عنترة، ص74.

(3) شرح المعلقات العشر، للزوزني، ص119.

(4) هو سويد بن حارثة بن حسل بن مالك بن عبد سعد بن جشم بن ذبيان بن كنانة بن يشكر بن بكر ابن وائل بن قاسط، شاعر مقدم مخضرم، عاش في الجاهلية دهرًا، وعُمِّر في الإسلام عمُرًا طويلًا، عاش إلى ما بعد سنة 60هـ، قرنه أبو عبيد بطرفة، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وكان أبوه شاعرًا. انظر الشعر والشعراء لابن قتيبة ص270_271، والمفضليات بتحقيق أحمد شاكر وعبدالسلام هارون ص190.

(5) المفضليات للمفضل الضبي ص197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت