وكذلك ما ورد أن النبي"غضب غضبًا شديدًا، عندما خرج على أصحابه يومًا وهم يتنازعون في القدر، حتى احمرَّ وجهه، حتى كأنما فُقيء في وجنتيه حبُّ الرمان، فقال: =أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما أهلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر؛ عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه+ (1) ."
فالجواب عن ذلك: أن النهي الوارد مُنْصَبٌّ على الأمور الآتية:
1_ الخوض في القدر بالباطل وبلا علم ولا دليل: قال _ تعالى _ [وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] سورة الإسراء: 36، وقال عن المجرمين: [مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ] سورة المدثر: 42_45.
2_ الاعتماد في معرفة القدر على العقل البشري القاصر: بعيدًا عن هدي الكتاب والسنة؛ ذلك أن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك على وجه التفصيل؛ لأن له حدودًا وطاقاتٍ يجب أن يقف عندها (2) .
3_ ترك التسليم والإذعان لله _ تعالى _ في قدره: ذلك لأن القدر غيب، والغيب مبناه على التسليم.
4_ البحث عن الجانب الخفي في القدر: الذي هو سر الله في خلقه، والذي لم يطَّلع عليه مَلَك مقرب، ولا نبي مرسل، وذلك مما تتقاصر العقول عن فهمه ومعرفته (3) .
(1) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة من كتاب القدر باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر، (2133) وقال: =وفي الباب عن عمر وعائشة وأنس، وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري، وصالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها+.
وقال الألباني في صحيح سنن الترمذي (1732_ 2231) : =حسن+.
وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب ÷ بلفظ: =لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم+ أخرجه أحمد، 1/30، وأبو داود (4710) و (4720) ، والحاكم، 1/85.
(2) انظر الإبانة لابن بطة العكبري 1/421_422.
(3) انظر الدين الخالص لصديق حسن 3/171.