فقد انحل أكثر من مجلس في دول الخليج لأن أعضاءه ذوي الانتماءات المتنافسة لم يقتصروا في حل خلافاتهم على الشتائم والاشتباك بالأيدي وإنما استخدموا مقاعد المجلس!! أيضًا. ومسألة حل المحامين المصريين خلافاتهم بإطلاق الرصاص على بعضهم ليست بعيدة عن الأذهان!
هذا بالإضافة إلى أن من ضمن مفاهيم الديمقراطية كما نشرها الأوائل أمثال الأفغاني وعبده والكواكبي وغيرهم واقتبسها عنهم المعاصرون هي: أن أفضل الخلق وأعظم الوطنية هو أن تعارض الحكام ولا تقرب مجلسهم!! مما جعل النواب يفهمون أن مهمتهم إن كانوا وطنيين شرفاء أن يتناحروا مع أعضاء الحكومة، أو أن أفضل طريق لعرض وطنيتهم وتحقيق الشهرة لأنفسهم هي المعارضة لكل ما تفعله الحكومة بالحق أو بالباطل !! ولذلك لم تقتصر مسألة الشتم والضرب على بعضهم البعض ، وإنما صار بينهم وبين الوزراء أيضًا، كما حدث في مجلس النواب المصري مؤخرًا ومر ذكره .
وهذا يجعل القول إن الديمقراطية الغربية إن طبقت في البلاد الأخرى، وخاصة البلاد النامية تصبح أداة هدم هو الحقيقة.
ثم إن الديمقراطية ليست هدفًا كما تصورها الدعاة وتبنوها وصوروها للناس، وكما دعاهم إليها الأوربيون قبل ذلك، حتى صار كل حزب يزين بها اسمه أو برنامجه على اعتبار أنه سيحقق الديمقراطية، وكل حكومة تدعى في برنامجها ذلك وكل دولة تجعله شعارًا له وتلحقه باسمها ! إن الديمقراطية الأوروبية هي حل لمشكلات سياسية واجتماعية عانت منها مجتمعات أوروبا وتطلبتها الظروف السائدة فيه والخاصة بها ، التي لا تنطبق على كل المجتمعات الأخرى -كما أن الدواء لا يصلح لكل المرضى- وعلى رأس ذلك ظهور الرأسمالية الصناعية، التي تطلب نشوؤها وازدهارها المرور بثلاث مراحل:
الثورات الداخلية للقضاء على مراكز القوى التي كانت سائدة في البلاد والتي تقف في طريق سيطرتها، وهما الإقطاع والكنيسة المحرفة ، الذين كانوا بالإضافة إلى كونهم إقطاعيين نافس البعض منهم الملوك والأباطرة على امتلاك الاقتطاعات الواسعة، يسيطرون على أمور الحياة ويقفون في سبيل التقدم العلمي والصناعي اللذين تحتاجهما الثورة الصناعية.