الصفحة 41 من 102

وعندما قامت الثورات في الخمسينات من هذا القرن ألغت الأحزاب لمعرفتها بها وبانتماءاتها وبعجزها عن تحقيق شيء للأمة ، قد ذكر على لسان جمال عبد الناصر أنه قال:"لو سمحنا بحرية الأحزاب السياسية اليوم، لقام عندنا 3 أحزاب: أحدهما موال للكتلة الغربية والآخر للكتلة الشرقية والثالث مستقل، إن مجادلاتهم يمكن أن تدمر الوحدة وتنقل إلينا الحرب الباردة" (1) . ولكن حتى عندما كونت الثورات هذه حزبًا جديدًا واحدًا أو أبقت على حزب واحد هو حزبها انتقل فكر وممارسات تلك الأحزاب الأولى إلى هذه الجديدة عبر الأعضاء الذين انتقلوا من تلك إلى هذه ، أو من خلال تلامذتهم ومريديهم مع زيادة التطرف في العلمانية والتغريب وابتعاد أكثر عن القيم والتقاليد الدينية والاجتماعية للمجتمعات العربية، هذا غير ما أضافه هذا الدم الجديد إلى هذه الأحزاب ، مما زاد الطين بلة كما يقول المثل الشعبي. ولذلك لم تنقطع تبعية هذه الأحزاب الجديدة للدول الأوروبية، ولم تكن الصدفة وحدها هي التي جعلت أكثر مؤسسي الأحزاب من خريجي هذه الجامعة أو تلك من الجامعات الأجنبية العريقة في المنطقة العربية.

وقد نجحت خطط الدول الأوروبية في دفع الحزبية وتشكيل الأحزاب باسم الديمقراطية سواء السرية منها أم العلنية، وحققت أهدافها بشكل مدهش، فقد احتل الإنكليز مصر بأقل ما يمكن من الخسائر ، وذلك لأن الأحزاب آنفة الذكر كانت قد مهدت للاحتلال بما أوجدته من فوضى فكرية شوشت فيها المفاهيم وشتت الانتماءات وفرقت كلمة الأمة وأسدلت ستارًا من الغموض على الأهداف الوطنية فحجبتها عن أبناء الأمة ، مما أضعف مقاومة الأمة للغزو الأجنبي .

(1) …سالزبرجر: آخر العمالقة ص 197 - 198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت