2-تفريق كلمة الأمة وتشتيت شملها من خلال الأحزاب المختلفة بشكل يسهل لها (أي الدول الأوروبية) أمر الهيمنة على الساحة السياسية في البلاد ، سواء قبل الاحتلال للتمهيد له أو أثناء الاحتلال أو بعد الجلاء عن البلاد، ولذلك شجعت تأليف الأحزاب، فالماسونية الأوروبية كانت وراء تأليف الأفغاني لحزبه الحر ولحزب مصر الفتاة، كما كان بلنت وحزبه الحر! وراء تشكيل حزب عرابي الوطني! كما كانت بريطانيا وفرنسا وراء تشكيل عدد من الأحزاب القومية والوطنية هنا وهناك في البلاد العثمانية وعلى رأسهم حزب الاتحاد والترقي، وانتشرت حمى تشكيل الأحزاب بعد ذلك بأسماء مختلفة في مصر أولًا ؛ فهذا الحزب الوطني الحر وهذا الحزب الوطني -من غير حر !- وهذا حزب الأمة وذاك حزب الأحرار أو حزب الدستوريين الخ... وكل حزب انشق إلى فروع وكل فرع انشق إلى فروع الفروع وهكذا، وانتقلت عدوى تشكيل الأحزاب من مصر إلى بقية البلاد العربية وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، فالعراق لم يعرف الحياة الحزبية العلنية إلا منذ عهد الانتداب 1921-1932 حيث تألفت عشرة أحزاب (1) !!! ومعظم مؤسسي هذه الأحزاب وأعضائها كانوا ممن لهم ارتباطات بالدول الأوروبية من خلال مدارسهم المنتشرة في البلاد العربية ، أو من خلال جمعياتهم السرية كالماسونية والفابية والكاربوناري الخ ، فأعضاء الحزب الوطني الحر وتلامذة كل من الأفغاني وعبده هم الذين سيطروا على الحياة الحزبية بعد ذلك في مصر إذ كونوا أولًا حزب الأمة -الذي يسميه كرومر حزب الإمام- ومنه تفرعت الأحزاب الأخرى ، فلم يكن حزب الوفد كما يؤكد محمد محمد حسين إلا امتداد له (2) واستمر الحال إلى يومنا هذا حيث خلفت تلك الأحزاب الأولى أبناء وأحفاد!
(1) …عادل غفوري: الأحزاب المعارضة في العراق ص 69.
(2) …الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ج2 ص410.