الصفحة 42 من 102

أما بعد ذلك فلم تقتصر مساهمة الأحزاب والجمعيات التي أنشأتها الدول الأوروبية ودعمتها على هذا الدور في التمهيد لاحتلال البلاد العربية الأخرى، وإنما تعدت هذا وصارت إلى مساعدة عسكرية فعلية، فبالإضافة لكون الإنكليز حاربوا الدولة العثمانية بجنود مصريين والفرنسيين بجنود تونسيين أو جزائريين فقد ساهمت الأحزاب والجمعيات هذه من خلال الحركات العربية في دحر الدولة العثمانية والقضاء عليها وتسليم البلاد العربية للإنكليز والفرنسيين ليتصرفوا بها تصرف المالكين فيقسمونها كما يشاؤون ويضعون على رأسها من يشاؤون من الحكام والملوك ويهدون منها لمن يشاؤون!! ولذلك قال لورنس في كتابه أعمدة الحكمة السبعة:"كم أنا فخور بالمعارك الثلاثين التي خضتها والتي لم ترق فيه نقطة دم لإنكليزي" (1) . وفي تبرير دوره في غش العرب بوعود كاذبة لا تتحقق قال:"إنه كان متأكدًا بأن مساعدة العرب كانت ضرورية لإحراز الإنكليز النصر في الشرق رخيصًا وسريعًا" (2) . وبالتالي فإن انتصارهم -الإنكليز- ونقض عهودهم أفضل من اندحارهم!

أما بعد الاحتلال فقد انشغلت الأحزاب بالتنافس والتناحر فيما بينها، تاركين الاستعمار يتحكم في البلاد على هواه! هذا غير أن أكثرهم كان يحاول تقديم الخدمات للاستعمار ليكسب من دعمه! فعبده مثلًا كان يتبرع بتقديم الخدمات لكرومر ؛ مثل تقديم لائحة إصلاح التعليم له التي فيها يدل عبده الإنكليز على كيفية السيطرة على المصريين المسلمين من خلال الدين! ولائحة تنظيم إدارة البلاد التي يقترح فيها منح الإنكليز سلطات أوسع وتجريد الخديوي من أية سلطة مهما كانت، وعلى مثل ذلك جرى حزبه ومن جاء بعدهم .

ومن تبعية هذه الأحزاب للدول الأوروبية أنها أصبحت أدوات تستخدمها هذه الدول في مناهضتها لبعضها البعض، تمامًا كما فعل الأفغاني وعبده من خلال العروة الوثقى إذ هاجما إنكلترا بدعم من فرنسا متغاضين عن استبداد فرنسا في البلاد العربية، وانقطع صوتهم الهادر ضد الإنكليز حال اصطلاح الطرفين، فرنسا وإنكلترا، بتوقيع معاهدة بينهما اتفقا فيها على تقسيم مناطق النفوذ بينهما!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت