وما قصة عرابي وثورته إلا مثل واضح على ذلك، فقد هيأ لها فكريًا الأفغاني ومن ورائه الماسونية، وما أن غادر الأفغاني حتى تسلمها بلنت رجل المخابرات البريطانية، الذي حرض عليها وشجع عرابي على تأليف الحزب الوطني الذي كتب هو وعبده برنامجه وأخذ موافقة الخارجية البريطانية عليه ونشره في الجرائد البريطانية قبل نشره في مصر!! وعندما قامت الثورة ووجد توفيق نفسه في موقف حرج وذلك لأن عرابي وصحبه ما كانوا يخفون رغبتهم بجعل النظام جمهوريًا، فقد كتب عرابي إلى بلنت يقول له: إن خلع إسماعيل أزال عنا عبء ثقيل، ولكنا لو كنا نحن قد فعلنا ذلك بأنفسنا لكنا تخلصنا من أسرة محمد علي بأجمعها، وكنا عندئذ أعلنا الجمهورية .
وكان البارودي، أحد قادة الثورة يقول: كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا ، ولكنا وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة، لأنهم متأخرين عن زمنهم ( ! ) ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل أن نموت (1) .
فماذا يفعل توفيق لإنقاذ نفسه وهو يرى عرابي وصحبه يسيطرون على الموقف؟ لجأ إلى الأسطول الإنكليزي وتشبث باليد الإنكليزية الممدودة إليه مدعية إنقاذه من الغرق في الطوفان الذي أعدته وشاركت في إحداثه!! وهكذا كانت الديمقراطية الأوروبية تحقق أهدافها !
(1) …محمد حسين: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر ج1 ص 159.