ولم يكن هو وحده الذي فرض سلطته على الحكم حتى بعد تقاعده ، وإنما ونستون تشرشل عمل ذات الشيء إذ عينت له الخارجية البريطانية شابًا اسمه أنطوني براون يعرض عليه البرقيات ويشرح له المواقف بصفة عامة حتى يستطيع أن يفهم الأسباب التي تتذرع بها الحكومة في قراراتها حتى لا يعترض تشرشل على سياسة لا يفهمها فيلقي في ذلك خطابًا فتسقط الوزارة (1) ، وتشرشل معروف في هذا ؛ ومن يقرأ سيرته يرى أنه دائمًا يحصل على ما يريد من مجلس العموم من خلال خطبة شديدة اللهجة يلقيها فيه تؤدي إلى تراجع بعض المعارضين مما يسمح بتمرير ما يريد .ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في المسألة الفلسطينية، ففي الذكرى الرابعة لوعد بلفور حدثت مشاكل في فلسطين ناقشها البرلمان البريطاني عارض مجلس اللوردات تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين، ورغم رجاء بلفور نفسه ، إلا أنهم صوتوا ضد وعد بلفور 160 إلى 29 صوت، وعارض مجلس النواب ذلك أيضًا وطالب بإجراء انتخابات تحسم الأمر، إلا أن تشرشل -الصهيوني بحسب ما ذكر كاتب سيرته وليام مانجستر - ألقى خطابًا في البرلمان وقال فيه إن العرب حاربوا مع الحلفاء مقابل وعد بأن يخلصوهم من الحكم العثماني ، وفي ذات الوقت أعطي وعد مهم جدًا لليهود بأن تعمل بريطانيا كل جهدها من أجل تأسيس دولة يهودية لهم في فلسطين، والآن بريطانيا تمتلك هذه البلاد وقد أوفت بوعدها للعرب بتأسيس دولتين: العراق والأردن مما حقق الطموحات الوطنية العربية ، والآن إن أجريت انتخابات في فلسطين فإن الأكثرية العربية سترفض السماح بالهجرة اليهودية إلى البلاد وهذا سيمنع بريطانيا من تحقيق وعدها لليهود وهذا سيضر بسمعة بريطانيا في الشرق الأوسط كله!! وطلب ترك الأمر للخبراء يحلون المشكلة من غير ديمقراطية وانتخابات !! وصفق له البرلمان الذي غيّر موقفه !! إذ قال أوستن شامبرلن -ابن شامبرلن الأب- إن تشرشل غيّر الجو في البرلمان تمامًا بكلامه ، ورغم أن مجلس اللوردات رفض الاقتراح إلا أن تشرشل بدأ يضع دستورًا لفلسطين يمنع الأكثرية العربية من عرقلة الاستثمار والتمليك لليهود (2) ، وتشرشل كما يبدو لقارئ سيرته رغم فشله في كل ما أنيط به من مناصب ومسؤوليات فهو طاغية مستبد وهو في السلطة ، وعبد ضعيف يتذلل لهذا أو ذاك ويتوسل ويوسط والدته أو زوجته! هذا غير أصدقائه ومعارفه من أجل الحصول على منصب، أي منصب في الدولة ، ولكنه يعود
(1) …ذات المصدر ص 91.
(2) …الأسد الأخير