إن أكثر مفكري النهضة لم يروا الديمقراطية الأوروبية على حقيقتها ولا كما هي في الواقع وإنما دعوا إليها كما توهموها، فنشروا على الناس أوهامهم هذه عنها، فتوهموا أنها تأتي بأكفأ من في المجتمع وأحسن رجاله، مهملين القوى الخفية التي تحرك الانتخابات لإيصال رجالها بغض النظر عن كفاءتهم . والقارئ لسير معظم من أوصلتهم الانتخابات للحكم في أوروبا وأمريكا، ليعجب كيف وصل هؤلاء وبلادهم فيها الكثير ممن هم أكثر كفاءة، فكيف وصل ونستون تشرشل إلى حكم بلاده وهو الطالب الفاشل الذي لم يستطع أن ينهي أية مدرسة أو يحصل على أية شهادة أو حتى يدخل الكلية العسكرية إلا بواسطة والدته التي كانت على علاقة بأكبر المسؤولين في الدولة من جهة ! وبكون أسرته تتوارث لقب لورد من جهة أخرى! والذي قضى خدمته في الجيش في الخطوط الخلفية للمعارك، يكتب للصحف مقالات عنها مقابل أجور محددة لكل مقالة! مخالفًا بذلك شروط وظيفته التي تمنع ذلك.
وبقدرة قادر تولى قيادة بريطانيا وهي في عز مجدها ولم يتركها إلا وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة (1) !
وتوهموا أن الديمقراطية الأوروبية تمنع استبداد الحكام لأنها لا تسمح للوصل إلى السلطة إلا من تشرب السلوك الديمقراطي، بينما يؤكد سالزبرجر على أن ديغول كان يحكم بأسلوب أوتوقراطي إلا أنه مستبد عادل وأنه لا يؤمن بالديمقراطية ويرى أن نظام الحزبين على النمط البريطاني أو الأمريكي متعذر إقامته في فرنسا ، وهو مقتنع بحاجة فرنسا إلى حكم قوي لأن صغار الرجال في نظره لا يستطيعون معالجة عظائم الأحداث، ولذلك كان معجبًا بستالين ويقول إنه كان علمًا ضخمًا، قيصرًا حقيقيًا، كان يسيطر على كل شيء بنفسه... إنه كان رجلًا عظيمًا (2) ، ويؤكد البعض أن أديناور رئيس دولة ألمانيا الغربية مثل ديجول لا يسمح لأحد باتخاذ قرارات سياسية أساسية غيره -لا البرلمان ولا الوزارة- وهو مثل ديجول يستخدم أساليب تصفية ولم يقتصر تسلط أديناور على فترة حكمه بل هو بعد خروجه من السلطة قال لمن سأله كيف سيقضي فترة تقاعده:"إنه يريد أن يستخدم سلطانه لضمان بقاء السياسة التي يرغب فيها"وذلك بوصفه من شيوخ السياسة وأئمتها (3) .
(1) …انظر وليام مانجستر الأسد الأخير.
(2) …ذات المصدر ص 52 - 53، 81.
(3) …ذات المصدر ص 141 - 144.