الصفحة 31 من 176

ولما وصلوا إلى المدينة المنورة، أخذوه إلى المستشفى، ولم يزل ينحطّ جسمه، وتضعف قواه حتى توفي ليلة الأحد بعد العشاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة عام /1362/ هـ فشيعوا جثمانه، وصلوا عليه في المسجد النبويّ الشريف، وساروا به في موكب عظيم، حتى وصلوا به البقيع المبارك، فوقف الأستاذ الشيخ محمد الحكيم، أحد رفاقه في سفر الحج، فأبَّنه وعرَّف الناس قدره، وواروه ترابه في منتصف المسافة بين ضريح سيدنا إبراهيم ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبور الشهداء - رضي الله عنهم -.

* ـ عمل الشيخ عيسى رحمه الله في المجتمع: لقد قضى الشيخ عيسى عمرًا طويلًا تقلبت فيه البلاد شتى التقلبات، وتخلل ذلك الشيء الكثير من الاضطراب الخاصّ والعامّ، وكانت البلاد في شبه ثورة اجتماعية هائجة، فكان الشيخ عيسى يتنقّل بين المساجد والجوامع داعيًا إلى الله، مناديًا بنبذ المنكرات، محبِّبًا بالفضائل، وكان أمره بالمعروف يتطوّر أحيانًا فيأخذ شكلًا من القوة والحضّ على الجهاد في سبيل الله، فقبل دخول الفرنسيين حلب قام بحركة جهاديّة مباركة، إذ ذهب إلى الأقضية والقرى، وحرّض المسلمين على الجهاد، وجمع كثيرًا من المتطوعين الذين، قدموا حلب بخيلهم ورجلهم، وقد حمل كل منهم بندقيته متحمسًا يشرق نور الإيمان من وجهه؛ ولم يلبث أن بلغه أنّ المقاومة قد انتهت في دمشق، فتفرّقت الجموع وما تم لها شرف الجهاد، ولما استتب الأمر للفرنسيين في البلاد، سعى بعض الوشاة فأبلغوا الجنرال (غورو) بما صنع، فكان جوابه في حنكته السياسية أن قال:"إنّ هذا الأستاذ يُشكر على عمله، لأنه قام بواجب الدفاع عن وطنه" [1] .

وكما كان الأمر بالمعروف يأخذ ذاك الطور من الشدّة والجهاد حينًا، فقد كان ينزع إلى ضرب من السعي الخيري، والاهتمام بفقراء المدينة المنورة جيران رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان الشيخ عيسى يجمع المال من المسلمين كل عام، ويرسله مع جماعة من أمناء الحجاج ليوزّع على فقراء المدينة المنوّرة، وقد جعل ذلك ديدنه، حتى إنه قبيل انتقاله إلى جوار ربه أعطى ما معه من أمانات مجبية لهذه الغاية لتوزّع على الفقراء ولحق بالرفيق الأعلى، كل هذا يضاف إلى تدريسه الأخلاق في المدرسة الخسروية، ودروسه العامّة في المساجد.

يقول الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله:"وهناك أثر حيّ، خلّفه الشيخ عيسى رحمه الله إنّه نجله الكريم النجيب الذي لا يشك ذو نظر أنه سيفوق أباه في علمه وعمله إن شاء الله، فقد هذبه فأحسن تهذيبه، وثقفه وعلمه، فأشرقت بدايته، ونمت"

(1) ـ ينظر كلام الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري في مقدّمة:"ديوان فتح المجيب في مدح الحبيب"للمترجم له بتصرّف واختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت