وختم الشيخ القرآن الكريم، وعمره خمس سنين، وكانت تلك سنة عصره، يوجّه الطفل أول ما يوجّه إلى"الكُتّاب"يتلقّى عنه مبادىء القراءة والكتابة والحساب، ويتقن تلاوة القرآن الكريم وتجويده، حتى يختمه مع حفظ ما تيسّر منه، ثم يدخل المرحلة الابتدائية [1] .
ثم يوجّهه أهله؛ إما إلى المدارس الدينية، وإما إلى المدارس الرسميّة، وكانت تسمّى"الأميرية"، وقد أنشئت أواخر القرن الثالث عشر الهجري مع مدارس البنات، وأريد لها أن تجدّد في أسلوب التعليم ومناهجه، وتدخل العلوم العصرية إلى جانب العلوم الدينية والعربية.
فأدخل رحمه الله تعالى المدرسة الابتدائية، وكانت الدراسة فيها ست سنين، ثمّ تخرّج فيها، والتحق بدار المعلمين، وكانت الحياة فيها داخلية، ذات نظام دقيق.
وكان كثير من الناس يؤثرون الدراسة في دار المعلمين، لما أنها قريبة المنال، خفيفة الأعباء والتكاليف، يسرع الفتى فيها إلى الحياة الوظيفية والاجتماعيّة.
وقد همّ والده الشيخ عيسى مرات عديدة أن يخرجه من المدرسة لينسبه إلى المدرسة"الخسروية"، أو أي مدرسة شرعية أخرى، ولكنّ الشيخ محمد أبا النصر رحمه الله تعالى، كان يثنيه عن ذلك، ويقول له:"إن ولدنا أحمد .. لا خوف عليه" [2] .
ونبغ الشيخ أحمد بين أقرانه، في جميع الموادّ الدراسية والنشاطات، فكان من المتفوّقين، ثم تخرّج في دار المعلمين، ودخل الحياة العمليّة معلّمًا.
ـ وأما العلوم التي برز فيها: فقد برز الشيخ أحمد رحمه الله في حياته الدراسية في عدّة علوم، كان على رأسها علوم اللغة العربية نحوها وصرفها وآدابها، فكان صاحب ذوق لغوي مرهف، بعيد عن الأساليب الدخيلة، المتأثرة باللغات الأجنبية وأساليبها.
سألته مرة عن سرّ قوته اللغوية، وفصاحة تعبيره، وجزالة أسلوبه، وأنا أريد أن يدلني على بعض الكتب القديمة لأعلام الكتاب والأدباء، فقال لي:"لقد قرأنا في مرحلة الطلب لهؤلاء كثيرًا، واستفدنا من أساليبهم، ولكني لم أر أنفع من كثرة التلاوة للقرآن الكريم مع التدبر لمعانيه، والتأمل في بديع تركيب جمله وآياته، والتعمق في فهم أسلوبه"
(1) ـ وقد سمعت ذلك من الشيخ أحمد رحمه الله.
(2) ـ سمعت ذلك من الشيخ أحمد رحمه الله في مناسبات عديدة، والشيخ أحمد هو ولد الشيخ محمّد أبي النصر من الرضاعة، كما أنه بمثابة ولده من حيث التربية والتوجيه.