والمجاملة .. وهو يحنو على الفقراء، ويكثر برّهم، ولا سيّما في الأعياد والمواسم والمآتم وما زال منذ خمس وعشرين سنة يعاضد الجمعيات الخيريّة التي ألّفها فريق من أهل الخير والحميّة .." [1] ."
وكان من أثر الواقع السياسي في مدينة دمشق؛ أن غلبت الحكمة والمرونة في تعامل أهلها مع الحكام، وحسن المداراة لهم، وإتقان فنّ العلاقة بهم، وقد تصل إلى درجة التملّق والتزلّف، مما انعكس على علاقة الناس ببعضهم بعضًا بمثل ذلك على وجه العموم، ومع علمائهم ومشايخهم على وجه الخصوص.
ويشير إلى ذلك الأستاذ محمّد كرد علي في كتابه المذكور آنفًا، فيقول:"وينطوي الدمشقيّ على شيء من حبّ التقليد، ويتلقّف الأمور الجديدة بصدر رحب، وإن كان في مشخّصاته أقرب إلى المحافظين، ويبعد في الجملة عن الإسفاف وينزع إلى التجمّل والاستغناء".
"ومن طبع الدمشقيّ ألاّ يؤخذ بالعنف، وهو يلين حتى مع خصمه، ويهشّ في وجه من يكرهه، فكما أنه يحسن معاملة كل إنسان، على اختلاف الدين واللسان، يحبّ أن يعامل على هذه الصورة، فإذا لم يلق مثل هذا من مخاطبه وعشيره وشريكه ينفر منه في باطنه، ولا يظهر له عداوة ولا خصومة على الأغلب، لأنه اشتهر برقّة الحاشية، واللطف والأدب .." [2] .
وغلب على الواقع الدينيّ في مدينة دمشق الاتّجاه العلميّ والتعليميّ، الذي كان يصبغ نشاطات المشايخ والعلماء، من نشر للعلم في حلقات المساجد، وإنشاء للمعاهد الشرعيّة، وتبنّيها والإشراف عليها، والعناية بطلاب العلم وكفالتهم، وبخاصّة أولئك الوافدين على دمشق من الأرياف والمدن الأخرى.
وقد وصف الرحالة ابن بطوطة منذ عدّة قرون أهل دمشق بالعناية بالمساجد، فقال:"إنّ أهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا، والمدارس والمشاهد" [3] .
لقد كانت مدينة دمشق بحكم موقعها، ومكانتها الحيويّة، تاريخيًّا واجتماعيًّا، لها الدور الإيجابيّ الفاعل في أكثر المجالات، وكانت القدوة العمليّة في ذلك لغيرها من مدن بلاد الشام، وتلك من طبائع الأمور دائمًا في عواصم البلاد وحواضرها.
وأمّا حلب؛ فقد سجّل"دار فيو"في تذكرته بعض صفات الحلبيين المعنويّة فقال:
"إن الأمر الخارق للعادة، هو امتياز الحلبيين وسموّهم على باقي شعوب الممالك العثمانيّة كلها، فإنهم أحسنهم طباعًا، وأقلهم شرًا، وألينهم جانبًا، وأشدّهم تمسّكًا بمكارم"
(1) ـ انظر كتاب:"دمشق مدينة السحر والشعر"للأستاذ محمّد كرد علي، ص /96 ـ 98 /.
(2) ـ انظر كتاب:"دمشق مدينة السحر والشعر"للأستاذ محمّد كرد علي، ص /96 ـ 98 /.
(3) ـ انظر المرجع السابق ص /84/.