الصفحة 17 من 176

ولكن الزمن كان يتمخّض مخاضًا عسيرًا، عن أحداث كبيرة، وفتن عظيمة، وتحوّلات مذهلة، لم يتفطّن لها إلا القليل، ولم ينج من نارها ودخانها إلا الأقلّ، و { .. لا عاصمَ اليومَ مِن أمرِ اللهِ إلاّ مَن رحِم .. (43) } هود، ولله الأمر من قبل ومن بعد ..

* الطبيعة الإنسانيّة في بلاد الشام:

منذ عهد بعيد، وبلاد الشام قد حباها الله طبيعة ساحرة، وجمالًا أخّاذًا، قد انعكس على كلّ من سكنها أو زارها .. فكانت ملهمة الشعراء، ومغنى الأدباء، وموئل السراة والعلماء، كما كانت مطمع الأعداء، وذؤابة الأرض، التي يتنافس عليها القادة والفاتحون ..

فدمشق"موطن من مواطن الفكر، ومعهد من معاهد الشعر، وقصر من قصور الروح فيها يجتمع الغرب والشرق، ولا يحاول كل منهما أن يصرع صاحبه، بل يجنح إلى التفاهم معه والامتزاج به .." [1] . يقول فيها الشيخ أبو الحسن الندويّ رحمه الله:".. إني لا أعرف مدينة بعد الحرمين الشريفين، حلّت من قلبي محلّ دمشق، وألفتها، وطاب لي المقام بها .." [2] .

وأما مدينة حلب؛ فيقول فيها ياقوت الحموي:"هي مدينة عظيمة واسعة، كثيرة الخيرات، طيّبة الهواء، صحيحة الأديم والماء .. وشاهدت من حلب وأعمالها ما استدللت به على أن الله تعالى خصّها بالبركة، وفضّلها على جميع البلاد .." [3] .

ويقول الأستاذ محمّد كرد علي في كتابه:"دمشق مدينة السحر والشعر":"والدمشقيّ يعطف منذ القديم على الغريب، حتى يكاد يفرط فيما تقتضيه واجبات الضيافة"

(1) ـ من كلام موريس باريس في وصف مدينة دمشق، انظر كتاب دمشق مدينة السحر والشعر"للأستاذ محمّد كرد علي، ص /90/."

(2) ـ من كلام الأستاذ أبي الحسن علي الحسني الندويّ في كتابه:"في مسيرة الحياة"1/ 351/ تحت عنوان: يومان في دمشق، وانظر ما كتبه عن تلك الزيارة، وكيف أخرج من دمشق بصورة مسرحيّة، وانظر تفصيل ذلك في كتابه:"من نهر كابل إلى نهر اليرموك".

(3) ـ هذا بعض ما قاله عنها يا قوت الحموي في"معجم البلدان"، وقد زارها، وأقام فيها أكثر من مرّة، انظر مقدّمة المحقّقين لكتاب"نهر الذهب في تاريخ حلب"1/ 7/، ومع أن هذه التصريحات تعدّ من قبيل المشاعر النفسيّة الخاصّة، التي تلعب اعتبارات عديدة في تكوينها وتأجيجها، وهي من قبيل الأحكام الذاتيّة لا الموضوعيّة إلا أنها تبقى ذات قيمة خاصّة، ووزن لا ينكر عندما تصدر عن رجال لهم مكانتهم العلميّة والفكريّة، لأنها تعبّر عن الدوافع التي تمليها، والمرتكزات الثقافيّة والفكريّة التي تنطلق منها، وهي أثر عن التعامل مع الناس الذين التقاهم الإنسان، وعايشهم، ومدى ما هم عليه من الأخلاق الفاضلة، والتربية والتهذيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت