الصفحة 16 من 176

ومما يلاحظ على تلك الفترة أيضًا، أن كثيرًا من المعالجات والمواقف، قد اتسمت بردود الفعل الآنيّة أكثر من أن تتخذ صورة المواقف الإيجابية البناءة.

كما أن انتشار التصوّف البعيد عن العلم، الذي دخلته البدع والضلالات، وانحرف عن الهدي الإسلامي لجهل القائمين عليه وبعدهم عن العلم والعلماء، ساهم إلى حدّ بعيد، في تعميق الهوّة بين علماء العصر ومشايخه، وبين الجيل الجديد.

وبعزلةٍ من علماء الأمة عن سوادها الأعظم، ضرب الفساد أول ما ضرب حياة الأغنياء، فكانوا طلائع المتفرنجين والمتغربين بأبنائهم، عن هدي الإسلام وأحكامه وآدابه، وحملوا بذور المفاسد الاجتماعية والأخلاقية والثقافية المدمّرة لحياة الأمة وكيانها.

وليس من الإنصاف أن نحمّل علماء ذلك العصر ومشايخه مسئوليّة التقصير أو التفريط في هذا الاتجاه، بل إن أسباب التقصير ضاربة في الأعماق التاريخيّة للدولة العثمانية لعدّة أجيال خلت، فكما أن العلماء يتحمّلون مسئوليّة كبيرة، كذلك فإن الخلفاء والولاة في الدولة العثمانيّة، يتحمّلون قسطًا من المسئوليّة أكبر، لما أنهم يملكون الحلّ والعقد، وبيدهم زمام الأمّة ومقاليد أمورها.

ويصوّر الشيخ"علي الطنطاوي"هذا الواقع الديني في الثلث الأول من القرن الرابع عشر الهجري في"ذكرياته" [1] ، فيقول عن مصر [2] :

"كان في مصر مشايخ وأفندية، أزهر وجامعة، محاكم شرعية، ومحاكم مدنية، يختلفان في الزيّ، وفي التفكير، وفي تقويم الحياة، يمشيان كالخطين المتوازيين يتجاوران، ولا يلتقيان، يتكلمان بلسانين، ويفكّران بعقلين، فلا يكاد الشاب يفهم ما يقول الشيخ، ولا يرتضي تفكيره ولا كان الشيخ يعرف الطريق إلى إفهام الشباب، وإثارة اهتمامه، بما يفكّر هو فيه .."

إلى أن يقول:"لذلك كانت الحاجة إلى أسلوب جديد في الدعوة غير أسلوب الكثير من المشايخ على ما كان لهم من علم وفضل وتقوى، ونبّه الناس إلى هذه الحاجة الفتنة الكمالية في تركيا، وبروز جماعة تأثروا بها، وأرادوا التمهيد لمثلها ..".

ومع ذلك كله، فقد كان الناس ـ عمومًا ـ أصفى قلوبًا، وأنقى سرائر، وأطهر سلوكًا، وأبعد عن تعقيد الحياة وضجيجها، لم تلوّث الحياة المادية، بفتنتها وزخرفها قلوبهم، ولم تفسد ضمائرهم، ولم تقطّع أرحامهم وأواصرهم، ولم تفرّق جماعتهم.

(1) ـ انظر 1/ 257/ وما بعد، باختصار يسير.

(2) ـ وواقع بلاد الشام لا يختلف عن واقع مصر في ذلك بل إن العالم الإسلامي كله، كان متشابهًا في هذه الحالة نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت