الصفحة 15 من 176

ـ وكانت بلاد الشام أقدم بقاع المنطقة تأثرًا بهذه التغيرات، وفشوًّا لتلك الآثار والانعكاسات، لموقعها الحساس، ولطبيعة تركيبة شعبها، ولما أنها كانت تمرّ بهذا الظرف الانتقالي الدقيق.

وهذا ما يقودنا إلى الحديث عن الواقع الديني في ذلك العصر، بما فيه من إيجابيّات وسلبيّات، ونقاط ضعف، ومظاهر قوة.

* ـ الأوضاع الدينية:

فعلى الرغم من وجود علماء أعلام في ذلك العصر، بلغوا شأوًا بعيدًا في العلم والتقى والصلاح، إلا أنه قلّ فيهم من حمل لواء الدعوة إلى جانب لواء العلم، وقلّ في هؤلاء القليل من تصدّى لمشكلات عصره، وأتقن فنّ خطابه والتأثير فيه، وقلّ فيهم من لحظ خطر المدنيّة الغربيّة الزاحفة على حياة المسلمين ومجتمعاتهم، ووضّح موقف الإسلام منها، وما فيها من خير وشر، وسمّ ودسم، واتصل بالشباب، ودعا وأنذر، وبشّر وحذّر، وكان له دور إيجابي في سدّ تلك الثغرة وملء الفراغ، وإرشاد الجيل.

فلم يأخذ علماء ذلك العصر ومشايخه زمام المبادرة ـ إلا القليل النادر منهم، ممن لم يتّخذ عملهم شكل تيّار واضح، واتّجاه عامّ بيّن، وإنما كان أشبه بالمبادرات الفرديّة، ذات الطابع الخاصّ، التابعة للميول والرغبات أكثر من أن تأخذ مفهوم المبدأ النابع من صميم الإسلام ـ لم يأخذوا زمام المبادرة في تعلم علوم الغرب ومنافستهم فيها، ودعوة الناس إلى تعلّمها، وتوضيح موقف الإسلام من مدنيّة الغرب ورقيّه، وبيان أسبابها وآثارها، بل إن الاتّجاه الغالب كان هو الهجر لذلك ومناوأته، ودعوة الناس إلى نبذه بالكليّة والإعراض عنه جملة وتفصيلًا، ومقاطعة المدارس الحكوميّة والعزوف عنها حتى كان من يدرّس ولده فيها يتّهم بين الناس، ويعيّر بقلّة دينه.

كما عزل أكثر العلماء والمشايخ أنفسهم في نطاق الكتب القديمة، يُبدئون فيها ويعيدون، ويغوصون في المتون والشروح، والحواشي والتعليقات والتقريرات، وكانت أكثر تلك الكتب بعيدة عن واقع الأمّة وهمومها، واستمتعوا بذلك بأنفسهم، ومع خلّص تلامذتهم، واكتفوا بمواعظ للعامّة، وأشباه العامّة، ولم يفكّروا في تطوير أنفسهم، أو فهم الحياة من حولهم، وما فيها من متغيّرات ومستجدّات، كما لم يحاول ـ إلا القليل منهم ـ أن يتعرّضوا للناس في أنديتهم ومجالسهم، ويصدعوا إليهم بالدعوة، ويذكّروهم بالله سبحانه.

وكانوا بعيدين عن الشباب وهمومهم ومشكلاتهم، وعن الطبقة المتعلّمة على وجه الخصوص، مما جعل تلك الطبقة، تقبل كل صورة مشوّهة عن العلماء، وتحمل كل سوء ظنّ بهم، وكان لهذا البعد أسباب شتى يعود أكثرها إلى مواقف وأخطاء يجمع بينها الخلل الفاضح في أساليب مخاطبة الناس، ومعالجة ومشكلاتهم، وإتقان فنّ التعامل مع الآخرين، ممّا لا يتّسع المقام هنا للحديث عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت