وإن سورية بجانب ما حباها الله من جمال الطبيعة واعتدال المناخ، وخصب الأرض، ونشاط الشعب وذكائه، والأهمية الاستراتيجية المتميّزة، لها مشكلتان بارزتان:
ـ المشكلة الأولى: كثرة الديانات، وتطرف العقائد: ومن أقوى أسباب انتشار هذه الديانات في بلاد الشام، طبيعة البلاد الجبلية، ووجود معاقل للجماعات المضطهدة، والديانات المطاردة، فتلتجىء الفرق الثائرة، إلى الحصون والجبال ذات المسالك الوعرة، لذلك انتشرت هذه الديانات في الشام أكثر مما انتشرت في مصر، ثم كان مما أغرى هذه الفرق ورجالها بالنزوح إلى الشام واتخاذها مقرًا لهم هو جمال الإقليم، وما هو عليه من الفتنة والاستهواء، وسلامة صدر الشعب وسماحته مع من يساكنه ويجاوره، وانفتاح أهل السنّة على غيرهم، وحسن ضيافتهم للغرباء والمضطهدين، وإيوائهم لهم، وانظر نموذجًا عن ذلك استقبال أهل سوريّة للأرمن النازحين من اضطهاد الكماليّين في تركيا.
ثم إن الشام كانت ممرًا للفاتحين القادمين من الشمال، ممّا جعلها ميدانًا للحضارات والديانات، وجعل الشعب يستقبل كل وافد جديد، ويتأثر بكل طريف وتليد، ولذا فقد وجدت الفرق والديانات مضطربًا واسعًا في هذه البلاد الجميلة.
ـ والمشكلة الثانية، وهي كثرة الأحزاب والمذاهب السياسية، والتيّارات الفكريّة التي تتوزع في سورية، وتتنازع القيادة والزعامة [1] .
* ـ الأوضاع الاجتماعية:
لقد كانت بلاد الشام في مرحلة شبه انتقالية، إذ كانت جزءًا من كيان الدولة العثمانية، فهي أشبه بالمجتمع المحدود المنعزل عن الحياة الدولية وظروفها وملابساتها، بعيدة عن الاتصال بالعالم الغربي بأي وسيلة من وسائل الاتصال إلا على نطاق ضيق محدود، وعندما استقلت عن الدولة العثمانية انتقلت إلى حياة جديدة المعالم، فيها الاتصال بالمجتمع الغربي، والانفتاح على المدنيّة الحديثة، وتنافس القوى الاستعماريّة الغربيّة على استقطاب أبنائها وربطهم بها بالتبعيّة والولاء.
ـ وكانت أوربّة تعتمل فيها الأحداث السياسية والاقتصاديّة والاجتماعية والفكرية الكبيرة، وتمرّ بظروف معقّدة أدّت إلى الحربين العامّتين، وصدّرت نارها ودخانها وأذاها إلى العالم عامّة وإلى الشرق بصفة خاصّة مع ما حملته وجاءت به من ألوان الاستعمار والاستغلال ونهب الخيرات.
(1) ـ انظر تفصيلًا لذلك أكثر في كتاب:"مذكّرات سائح في الشرق العربي"للشيخ أبي الحسن الندوي"."