الصفحة 9 من 34

وهذا الموقف من شعيب عليه السلام هو موقف الداعية المصلح الذي يبدأ بتطبيق ما يدعو إليه على نفسه. ويأخذها بالحزم، ويروضها على ما يريده الإسلام، وهذا هو الداعية الناجح الذي يقدم للناس أحكام الإسلام، وأخلاقه صورًا حية يرونها بأم أعينهم، لا أقوالًا رنانة وكلمات طنانة، ثم يرون الانفصام بين القول والسلوك. وهذا مذموم في نظر العقلاء. قال الشاعر:

غير تقي يأمر الناس بالتقى …طبيب يداوي الناس وهو عليل

يقول سيد قطب - رحمه الله - ( أن الكلمة لتنبعث ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنانة رنانة متحمسة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول حقًا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيمًا واقعيًا لما ينطق، عندئذ يؤمن الناس ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق، إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها، وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها، إنها تستحيل يؤمئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة) (13) .

الآية الثالثة: قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ). [الصف: 3،2] .

وقد اتفقت كلمة المفسرين على أن سبب النزول أن رجالًا رغبوا في الإذن لهم في الجهاد وأحبوا معرفة أفضل الأعمال عند الله تعالى. فقد أخرج الإمام الطبري في تفسيره عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد، يقولون لوددنا أن الله - عز وجل - دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل بها، فأخبر الله - تعالى - نبيه - ( - أن أحب الأعمال: إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به".

فلما نزل الجهاد، كره ذلك ناس من المؤمنين، وشق عليهم أمره، فأنزل الله - سبحانه وتعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) ) (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت