الصفحة 10 من 34

ومع أن الجمهور يرون أنها نزلت في موضوع الجهاد وتمنيه. ولكن المعنى أشمل وأعم. فإن النصوص القرآنية أبعد مدى من الحوادث المفردة التي نزلت الآيات لمواجهتها، وأشمل الحالات غير الحالة التي نزلت بسببها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - كما قرره الأصوليون - فيستدل بالآية من عموم لفظها على الإنكار على كل من خالف قوله فعله، سواء في الوعد أو العهد أو الأمر أو النهي.

ومن هنا فالآية درس للأمة الإسلامية، وتوجيهات ربانية، مبدوءة بلفظ محبب إلى النفوس، وثمنه التنفيذ والامتثال، بأن يكون كل فرد منا عند قوله، فلا يقول إلا حيثما يتبع القول بالعمل، وإلا فقد عرض نفسه لمقت الله - تعالى - الذي هو أشد البغض.

قال الراغب: ( المقت: البغض الشديد لمن تراه تعاطى القبيح) (15) .

يقول صاحب الظلال - رحمه الله:( إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك، والإسلام عقيدة متحركة لا تطيق السلبية، فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور، تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج، ولتترجم نفسها إلى حركة، وإلى حركة في عالم الواقع.

ومنهج الإسلام الواضح يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل . . ) (16) .

إن العمل بالعلم من أهم صفات الداعية بعد الإخلاص وحسن القصد، فإن الداعية لا بد أن يكون على علم بما يدعو إليه من كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - ( -. فإذا تحول هذا العلم إلى سلوك واقعي، يراه الناس، وثقوا به وبدعوته، بل أغناه هذا السلوك عن كثير وكثير من الكلام.

ولا يبعد أن يكون سبب إخفاق كثير من الدعاة فشلهم في تحويل علمهم إلى حركة في عالم الواقع يراها من يسمع كلامهم.

وأزيد هذا المعنى بيانًا عند الكلام على آثار العمل بالعلم إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت