الصفحة 29 من 34

ولكن إذا رأوا العالم وقد ظهرت عليه آثار الانحراف والمخالفة لما علم به، وقعوا في حيرة بين القول والفعل. وراحوا يفسرون هذا الانفصام بين العلم والسلوك تفسيرات شتى. ومن ثم لا يثقون بقوله، ولا يقيمون وزنًا لشخصه، وإذا كان العالم مرموقًا منظورًا إليه ولا سيما في بلده كانت المسؤولية أعظم لأنه متبع ومقتدى به.

قال ابن مفلح في الفروع: (وليحذر العالم وليجتهد فإن ذنبه أشد، نقل المروذي عن الإمام أحمد - رحمه الله - قال:(العالم يقتدى به ليس العالم مثل الجاهل) . قال: وقال شيخنا - يعني ابن تيمية - رحمه الله (أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه فذنبه من جنس ذنب اليهود) (83) .

إن مخالفة تعاليم الدين ممن يقتدى به من أضر الأشياء على سنن الإسلام؛ لأن ذلك يؤدي إلى اقتداء العوام به فإنهم اتباع كل ناعق. والعالم إذا أظهر المعصية وإن صغرت سهل على الناس ارتكابها. لأن الجاهل يقول: لو كان هذا الفعل كما قال: من أنه ذنب لم يرتكبه. وإنما ارتكبه لأمر علمه دوننا (84) وواقعنا اليوم يشهد بذلك في صور متعددة.

فليحذر العالم مثل هذه المزالق العظيمة التي يبوء بإثمها وإثم من اتبعه فيها إلى يوم القيامة. وقد قال النبي - (:"من سن في الإسلام سنة سيئة يعمل بها من بعده، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"(85) .

وقد يكون عدم العمل بالعلم وسيلة للصدّ عن دين الله تعالى. فإن العالم إذا لم يوافق بين علمه وسلوكه يقف حجر عثرة أمام الدخول في الإسلام والتمسك بأحكامه وأخلاقه، ولا سيما من يحسنون الظن بهذا العالم لأنهم يسمعون كلامًا جميلًا ولم يروا شخصه، فهم في أشد الشوق إليه، فإذا رأوه مقتوه وقالوا: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) (86) وربما كان ذلك ذريعة لسبّ الإسلام نفسه وتلك مصيبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت