الصفحة 21 من 34

وهل أدرك من أدرك من السلف الماضي الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد، والعمل الصالح، والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا . . وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها، فلينظر أمرؤ لنفسه وليغتنم وقته فإن الثواء قليل والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب والخطر عظيم، والناقد بصير. والله - تعالى - بالمرصاد. وإليه المرجع والمآب (( فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره ) ) (56) .

وقال ابن الجوزي - رحمه الله: (من علم أن الدنيا دار سباق، وتحصيل للفضائل، وأنه كلما علت مرتبته في علم وعمل زادت المرتبة في دار الجزاء، انتهب الزمان ولم يضيع لحظة ولم يترك فضيلة تمكنه إلا حصلها، ومن وفق لهذا فليبكر زمانه بالعلم، وليصابر كل محنة وفقر، إلى أن يحصل له ما يريد، وليكن مخلصًا في طلب العلم عاملًا به حافظًا له فأما أن يفوته الإخلاص فذلك تضييع زمان وخسران الجزاء، وأما أن يفوته العمل به فذاك يقوي الحجة عليه والعقاب له وأما جمعه من غير حفظه فإن العلم ما كان في الصدر لا في القمطر، ومتى أخلص في طلبه دله على الله عزّ وجل) (57) .

وقال الراغب الأصبهاني المتوفى سنة 502 هـ: (العبادة ضربان: علم وعمل. وحقهما أن يتلازما، لأن العلم كالأسِّ والعمل كالبناء، وكما لن يغنى أسّ ما لم يكن بناء ولا يثبت بناء ما لم يكن أسّ، كذلك لا يغني علم بغير عمل ولا عمل بغير علم. ولذلك قال - تعالى:(( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) ) [فاطر: 10] . والعلم أشرفهما ولكن لا يغني بغير عمل . . . ) (58) .

وقال بعض العلماء: (العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلو لا العمل لم يطلب علم، ولو لا العلم لم يطلب عمل. ولأن أدع الحق جهلًا به أحب إلى من أن أدعه زهدًا فيه) (59) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت