وعن أبي عبد الرحمن السلمي - وهو من كبار التابعين - قال:"حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي - ( - فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل. فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا"(41) .
وقد ذم الله - تعالى - اليهود على تركهم العمل بما في التوراة من العقائد والعبادات والآداب والأخلاق. وشبههم بالحمار الذي يحمل على ظهره أسفارًا من كتب العلم النافع، وهو لا يدرك ما على ظهره من الخير. فقال تعالى: (( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) ) [الجمعة: 5] .
ولا ريب أن من يقرأ القرآن ويعرض عن أحكامه وآدابه فيه شبه من اليهود. فليحذر طالب العلم وقارئ القرآن أن ينطبق عليه هذا المثل الذي قال الله عنه: (( بئس مثل القوم ) ).
يقول القرطبي - رحمه الله: (وفي هذا تنبيه من الله تعالى لمن حمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلم ما فيه لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء) (42) .
وقال ابن القيم -رحمه الله - (فقاس من حمّله سبحانه كتابه ليؤمن به، ويتدبره، ويعمل به، ويدعو إليه، ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب - فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه - كحمار على ظهره زاملة أسفار، لا يدري ما فيها، وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره، فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته) (43) .