وحتى على القول الثاني وهو أن المراد بها علماء بني إسرائيل بدلالة ما قبلها وما بعدها تكون الآية دليلًا لما نحن بصدده. لأنه إذا ثبت ذلك في حق أهل الكتاب بالنسبة إلى كتابهم. فهو مطلوب من المسلمين بالنسبة إلى القرآن من باب أولى. لأن القرآن له من الخصائص والمطالب ما ليس لغيره لأن الله - تعالى - جعله مصدقًا لما قبله ومهيمنًا عليه.
إن الغاية الكبرى من إنزال القرآن، تصديق أخباره والعمل به بامتثال ما يأمر به واجتناب ما ينهى عنه، ليس الغرض من إنزاله التلاوة اللفظية وهي القراءة الصحيحة التي يكون القارئ فيها متحليًا بأجمل الصفات وأشرف الخصال، تعظيمًا لله - تعالى - وتأدبًا مع كلامه فإن هذا وإن كان مطلوبًا لكن هناك تلاوة حكمية عليها مدار السعادة أو الشقاء إنها اتباع القرآن. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن لفظ التلاوة إذا أطلق في مثل قوله تعالى: (( الذين أتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) ). تناول العمل بالقرآن كما تقدم عن ابن مسعود وغيره (38) .
يقول سيد قطب - رحمه الله: (وتلاوة كتاب الله تعني شيئًا آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، تعني تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك . . . ) (39) .
وعلى هذا درج السلف الصالح من هذه الأمة، فهم يتعلمون القرآن ويصدقون به. ويطبقونه في كل شأن من شئون حياتهم، لقد كان الواحد منهم يتلقى القرآن ليعمل به فور سماعه، فيقوم بتنفيذ أحكامه في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها أخرج بن جرير - رحمه الله - بسنده عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن" (40) .