فهذه النصوص وغيرها أدلة واضحة على عظم المسؤولية الملقاة على عاتق طالب العلم، وهي مسؤولية العمل به، وظهور آثاره وثمراته على صاحبه، وعدم العمل بالعلم حجة على العالم وفساد للعالم؛ لأن فساد العالم بفساد علمائه. كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: (صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، قيل من هم؟ قال: الملوك والعلماء) (33) .
ولهذا الوعيد الشديد في حديث أنس هذا، وحديث أسامة وغيرهما عدّ ابن حجر الهيثمي عدم العمل بالعلم من كبائر الذنوب، لصدق ضابط الكبيرة على ذلك والمعصية من العالم وإن كانت صغيرة أمرها عظيم بسبب ما أعطيه من العلم المقتضي لانزجاره عن المكروهات وفضلًا عن المحرمات (34) .
ولما عدّ ابن القيم الكبائر قال: (ومنها أن يقول ما لا يفعل. قال الله - تعالى:(( كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) ) (35) .
العمل بالقرآن
إن النصوص المتقدمة التي تفيد العمل بالعلم وذم من لا يعمل بعلمه عامة تشمل العمل بالقرآن وكل ما جاء في هذه الشريعة الإسلامية، إلا أننا نجد نصوصًا أخرى تركز على وجوب العمل بالقرآن والتقيد بأوامره ونواهيه. ولا سيما من رزقه الله - تعالى - حفظ كتابه وتجويد تلاوته. ونحن نشير إلى طرف منها.
قال - تعالى: (( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ) ) [البقرة: 121] .
يقول ابن مسعود - رضي الله عنه:"والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله. ولا يحرف الكلم عن مواضعه. ولا يتأول منه شيئًا على غير تأويله".
وعن مجاهد قال: (يتلونه حق تلاوته) : يتبعون حق اتباعه (36) .
وهكذا قال ابن عباس والحسن البصري وعطاء وغيرهم. وهذا على القول بأن الآية يراد بها أصحاب النبي - ( -. آمنوا بكتاب الله وصدقوا به كما رواه ابن جرير عن قتادة(37) .