فالسراج يضيء للناس فيستفيدون من نوره ولكنه يحرق نفسه ويصطلي بحرارة فتيلته، فأفاد غيره ولم يستفد بنفسه وهكذا من يعلم الناس وينسى نفسه. فهو يضيء لغيره طريق الخير ويدله عليه وهو لا يجني إلا التعب والعناء في الدنيا، والاصطلاء بالنار يوم القيامة، كما دلت على ذلك النصوص، ولو كان عاملًا بعلمه لكان مثابًا على جهده.
الحديث السابع: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - ( - قال:"مررت ليلة أسري بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت: من هؤلاء يا جبريل ؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون"(32) .
إن للخطابة شأنًا كبيرًا . . حيث إن الخطيب يقف أمام جماهير من الناس، يعلمهم ويرشدهم، وهم مستمعون منصتون، جاءوا إليه طائعين راغبين، ينظرون إليه بأعينهم، ويستمعون بآذانهم، ولا بد أن يكون على مستوى القدوة والمسؤولية.
وكلما كان الخطيب مرموقًا ينظر إليه، تضاعفت المسؤولية في حقه؛ لأنه متبع.
إن الخطابة مجال مناسب جدًا للدعوة إلى الله، ولا سيما خطب الجمعة، فعلى الخطيب أن يخاطب الناس بفعله قبل أن يخاطبهم بقوله، وأن يأخذ نفسه بالحزم ويطبق ما سيقوله على نفسه قبل أن يعلنه أمام الحاضرين.
وهذا له أثر كبير في نجاح الخطيب وارتفاع منزلته أولًا، وثقة الناس به، والاستفادة منه ثانيًا.
ولما كان الخطيب بهذه المنزلة، وله هذا التأثير في مجتمعه، ورد في حقه هذا الوعيد الخاص - عدا الوعيد العام - إذا صار يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويركز في خطبته على أمراض المجتمع. ثم هو يخالف ما يقول ويخفق في الملاءمة بين قوله وفعله وناسب أن يكون عقابه على ذلك من جنس وظيفته. نسأل الله السلامة.