إنها إجابة موجزة جامعة من أم المؤمنين - رضي الله عنها - مفادها أن القرآن بأحكامه وأخلاقه قد تحول إلى سلوك واقعي في حياة الرسول - ( - فقد صار القرآن سجية له، وخلقًا تطبعه، فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه.
هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، فإذا أردت أن تعرف أخلاقه - ( - فاقرأ القرآن. واعلم أن الدين الجامع لأوامر الله - تعالى - ونواهيه هو خلق الرسول - ( -(20) . ومن هنا جاءت أهمية دراسة هدى الرسول - ( - وسيرته، إذ أنها تطبيق عملي لما جاء عن الله - تعالى - سواء ما كان منها متعلقًا بالعقيدة أو الأحكام أو الأخلاق؛ لأن هذه مبادئ الإسلام وأحكامه التي لا ينفصل بعضها عن بعض(21) .
الحديث الثاني: عن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - ( - يقول:"يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه. فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان. ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله. وأنهى عن المنكر وأفعله"(22) .
إنه وعيد عظيم، يثير الفزع في النفوس، بتصور هذا المنظر المخيف. منظر رجل يلقى في النار فتنصب مصارينه من جوفه، ويدور فيها، فيجتمع أهل النار حوله يتعجبون من هيأته ويسألونه عن شأنه وحاله.
إنه ليس وعيدًا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا مطلوب من كل أحد، ولكنه وعيد على ارتكابه المنكر عالمًا به، ينصح الناس عنه ثم يخالفهم إليه ويفعله.
قال في دليل الفالحين: (فشدد عليه الأمر لعصيانه مع العلم المقتضي للخشية، والمباعدة عن المخالفة) (23) قال الحسن: لقد أدركت أقوامًا كانوا آمر الناس بالمعروف وآخذهم به، وأنهى الناس عن المنكر وأتركهم له، ولقد بقينا في أقوام آمر الناس بالمعروف وأبعدهم عنه، وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه. فكيف الحياة مع هؤلاء؟) (24) .