الصفحة 17 من 36

قال تعالى: (( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [النساء(77) ]

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية:"كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم."

ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة، منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار.

عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا: يا نبي الله كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: (إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم، فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله(( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) )الآية. ورواه النسائي كبرى 11112 والحاكم 2307 وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به" [تفسير القرآن العظيم (2/349) تحقيق سامي بن محمد السلامة، دار طيبة] "

فكانت مصلحة الإسلام والمسلمين العليا آنذاك، في الكف عن القتال، وكانت مصلحة قتالهم للمشركين دفاعا عن أنفسهم، مغمورة مهدرة شرعا، وكانت المفسدة المترتبة على القتال، أعظم من مفسدة الأذى الذي أمرهم الله تعالى بالصبر عليه.

وفي هذا دلالة واضحة على عدم اعتبار مجرد القدرة على الفعل، إذا غلب على الظن فوات أعظم المصلحتين، أو جلب أكبر المفسدتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت