وكان للقوة اعتبارها كذلك، كما قال تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وءاخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) ) [الأنفال (60) ]
فإذا قل عدد المسلمين أمام عدوهم قلة تتيح للعدو استئصالهم، سقط عنهم جهاده مؤقتا، حتى يكون عددهم مناسبا لتكليفهم بقتاله، وإذا لم تكن عُدَّتهم مناسبة لوقوفهم أمام عدته، سقط عنهم جهاده حتى يعدوا له العدة التي تتيح لهم الوقوف أمامه.
ولهذا شرع الله لهم التحيز إلى فئة منهم كما قال تعالى: (( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) ) [الأنفال (16) ]
ولا يشترط أن تكون الفئة التي يتحيز إليها المجاهدون المسلمون قريبة منهم في أرض المعركة، بل قد تكون فئتهم الإمام الأعظم ومن معه من مسلمين، ولو بعدوا عن أرض المعركة.
كما في عبد الله بن عمر قال:"كنت في سرية من سرايا رسول الله ، فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ، فإن كانت له توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: (من القوم) ؟ قال فقلنا: نحن الفرارون. قال: (لا بل أنتم العكارون، أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين) قال فأتيناه حتى قبلنا يده" [مسند الإمام أحمد، برقم (5384) وسنن أبي داود، برقم (2647) وسنن الترمذي، يرقم (1716) وحسنه.ومعنى"العكارون: العطافون"]
[يراجع تفسير الآيتين في كتب التفسير، ومنها"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير (4/27) دار طيبة للنشر والتوزيع)]
وقد كان بعض الصحابة يتحرقون شوقا إلى مجاهدة المشركين الذين اشتد أذاهم عليهم، فلم يأذن الله تعالى لهم بالقتال، وهو العليم الحكيم.