فقد كان المسلمون في مكة قادرين ـ من حيث مجرد الفعل ـ على رد عدوان المشركين عليهم، بالمقاتلة والاغتيالات ونحوها، ولكنهم لو فعلوا ذلك لترتب على فعلهم من المفاسد ما لا يحصى، ومن ذلك على سبيل المثال:
1-وجود مجازر في كل حي وفي كل منزل من أحياء مكة ومنازلها، لأن المسلمين كانوا - مع قلتهم - مختلطين بأقاربهم وسادتهم، وقد يقف بجانب الرسول صلى الله عليه وسلم بعض عشيرته، فتقوم معارك بينهم وبين بقية القبائل القرشية، فيصبح القتال والأخذ بالثأر، هو شغل أهل مكة الشاغل، وستتوقف الدعوة...
وفي ذلك تنفير للناس من دعوة غريبة محاربة، بزغ ضياء شمسها في الأفق، إذ سيقول أعداؤها - إضافة إلى ما اتهموها به واتهموا به رسولها وأصحابه: إنها دعوة حرب وعنف وسفك دماء، وفي ذلك ما فيه من التنفير عن هذه الدعوة.
2-القضاء على الدعوة الإسلامية العالمية في مهدها، بالقضاء على العصبة المؤمنة القليلة العدد، الفاقدة القوة، بين الكثرة الكاثرة من المشركين، الذين يملكون مع كثرة عددهم القوة التي تتيح لهم استئصال المسلمين.
ومعلوم أن لله تعالى سننا شرعية مربوطة بسنن كونية طبيعة، فمن سننه الشرعية الجهاد في سبيل الله، ومن سننه الكونية الطبيعة التي يرتبط بها الجهاد، وجود القدرة، وهي تتمثل في العدد المكافئ من المجاهدين، وفي العُدَّة المؤهِّلة للقيام بالجهاد.
ولهذا كان للعدد وللعدة اعتبارهما في حكم الجهاد، كما قال تعالى في العدد: (( ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون(65) الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين )) (66) [الأنفال]