قال ابن كثير في تفسيره (3/ 451) :
"أي: آمنَت قلوبهم بما جاءتهم به الرُّسل، وصدَّقت به واتَّبَعته، واتَّقوا بفِعل الطاعات وتَرْك المحرَّمات، {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ} ؛ أي: قَطْر السماء ونبات الأرض، قال تعالى: {وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ؛ أي: ولكن كذَّبوا رُسلهم، فعاقَبناهم بالهلاك على ما كسَبوا من المآثم والمحارم، ثم قال تعالى مُخوِّفًا ومحذِّرًا من مخالفة أوامره، والتجرُّؤ على زواجره: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} ؛ أي: الكافرة، {أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا} ؛ أي: عذابنا ونَكالُنا، {بَيَاتًا} ؛ أي: ليلًا، {وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} ؛ أي: في حال شُغلهم وغَفلتهم، {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} ؛ أي: بأسه ونِقمته، وقُدرته عليهم، وأخْذَه إيَّاهم في حال سَهوهم وغَفلتهم، {فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ؛ ولهذا قال الحسن البصري - رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِق وَجِلٌ خائفٌ، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمِنٌ"؛ ا. هـ.
الوسيلة الرابعة: عقاب المسرفين والمبذرين بالحَجْر عليهم:
أباحَت الشريعة الحَجْرَ على السُّفهاء [44] من المسرفين والمبذِّرين على المستوى الفردي والجماعي؛ حفظًا للمال العام والخاص؛ قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] .
قال ابن كثير في تفسيره (2/ 214) :
"ينهى تعالى عن تَمْكين السُّفهاء من التصرُّف في الأموال التي جعَلها الله للناس قيامًا؛ أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها، ومن ها هنا يُؤْخَذُ الحَجْر على السُّفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحَجْرُ للصغر؛ فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحَجْرُ للجنون، وتارة لسوء التصرُّف؛ لنَقْص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطَت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل الغُرَماء الحاكمَ الحَجْرَ عليه، حَجَرَ عليه"؛ ا. هـ.
وسَرَفُ الأفراد أمرٌ علاجه هَيِّن، يستطيع وَلِيُّ أمر السَّفيه - سواء كان طفلًا، أم امرأة، أم رجلًا بالغًا ناقصَ العقل أو الدين - أن يَحجُر على ماله، ويتَّخذ لذلك الطُّرق الشرعيَّة والقانونيَّة.