أمَّا السَّرَف الجماعي، فمع اختلاط المعايير والقِيَم، وضَعْف الوازع الديني والرَّدع القانوني، وعُلو أهل المنكر على أهل المعروف والفضل، حدَثت تجاوزات خطيرة طفَحت آثارها السيِّئة على السطح، فظهَرت في صُوَرٍ شتَّى للإسراف بأنواعه الثلاثة، وقد ذكَرنا أمثلة منه فيما أسْلَفنا من البحث ما يُغنينا عن تَكراره هنا.
وفي كتاب نشَرته وزارة الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدعوة والإرشاد في السعودية بعنوان"مشكلة السَّرَف في المجتمع المسلم وعلاجها في ضوء الإسلام" [45] ، جاء فيه ما نصُّه:
"وسرَفُ الجماعات يصدر من جهات جماعيَّة، ويأخذ الطابع الجماعي، وهو يصدق على تصرُّف المؤسَّسات، والشركات، والجمعيَّات، والدول، وكذلك الأفراد إذا انْتَظَمهم عقدٌ واحد، أو عُرْف أو تقليد واحدٌ."
وقد يُحكم على أيٍّ منها بالسَّرَف أو التَّرَف أو التبذير، بالنظر إلى التصرُّف الغالب عليها، وهذا النوع من السرف يَحمل من الخطورة والسلبيَّات أضعاف سابقه؛ لِمَا يترتَّب عليه من الآثار الوخيمة على اقتصاد البلد وثروتها، وكم نسمع أو نقرأ عن خسائر تلك الجهات وإعلان إفلاسها، بل إنَّ إلقاء نظرة سريعة على واقع دول العالم الإسلامي، تَرْزَأُ العاقل بالذهول والخجل؛ فإن كثيرًا منها - وعلى رغم ضخامة ثروتها الوطنيَّة - قد اضطرَّت إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي، وقد تراكَمت عليها الديون، فأثْقَلت كاهلها، وتحوَّلت إلى أزمة كبرى لَم تستطع الخلاص منها"؛ ا. هـ."
وختامًا، لقد آن الأوان لحلِّ مشكلة الإسراف وعدم تجاهُلها، فخطره عظيم وأضراره في الدين والدنيا مدمِّرة على المستوى العام والخاص، وما ذكرناه في هذا البحث مجرَّد تحذيرٍ وإلقاء الضوء على المشكلة من جهة الشرع، والله هو الهادي إلى الحق بإذنه، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على النبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى آله وصَحْبه أجمعين.