الاستحباب أن يُجعَل ذلك من الثُّلُث؛ جمعًا بين قصة أبي بكر وحديث كعب، والله أعلم"؛ ا. هـ."
وسائل علاج الإسراف في الدين والدنيا:
بعد أن وضَّحنا أقسام الإسراف وأنواعه المختلفة، وأضراره في الدين والدنيا، فمن المنطقي أن يكون مِسْك الختام هو بيان وسائل علاجه على مستوى الأفراد والجماعات [37] .
وبادئ ذي بَدءٍ، نقول بحول الله وقوَّته: إن هناك وسائلَ عدَّة، منها ما يتعلق بالدِّين، ومنها ما يتعلَّق بالدنيا، وأكتفي هنا في هذا البحث بذِكر أهم أربع وسائل، مع طَرْح أمثلة توضيحية؛ لنُدرك أبعادها وفوائدها على الواقع الذي نعيش فيه؛ لتعمَّ الفائدة، ونُدرك خطورة إسرافنا لو استمرَّ الوضع على ما هو عليه، والله المستعان.
الوسيلة الأولى: القناعة الذاتية في المعيشة والإنفاق:
هذه الوسيلة تَنبع من باطن المسلم وقوَّة إيمانه سلبًا وإيجابًا، دون إكراه أو ضغوطٍ، وهي دليل على حبِّ العبد ومراقبته لله تعالى، وابتغاء مَرضاته؛ يَجعله يَلتزم بالمنهج الشرعي الذي يأمره بالزُّهد والتقشُّف، ولا يُحَرِّم عليه التمتُّع بالطيِّبات من الرزق، ما دام لا يَخرج به عن حدِّ الاعتدال غير المرغوب فيه؛ قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] .
قال ابن كثير في تفسيره [38] :
أي: اسْتَعْمِل ما وهبَك الله - من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة - في طاعة ربِّك والتقرُّب إليه بأنواع القُربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة، {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} ؛ أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربِّك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْجك عليك حقًّا، فآتِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ؛ أي: أحْسِن إلى خَلْقه كما أحسَن هو إليك، {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ} ؛ أي: لا تكنْ هِمَّتك بما أنت فيه أن تُفسد به الأرض، وتُسيء إلى خَلْق الله؛ {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} "؛ ا. هـ."