الصفحة 20 من 30

يَنْفُذ ما زاد على الثُّلُث إلا برضا الوارث، وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( إنَّك إن تَذَر ورَثتك أغنياءَ ) )، قال - رحمه الله:

وفي هذا الحديث حَثٌّ على صِلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، والشفقة على الورَثة، وأن صِلة القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد، واستدلَّ به بعضُهم على ترجيح الغني على الفقير"؛ ا. هـ."

قلت: وجاز - والله أعلم - استحبابًا، وليس بلازم التصدُّق بالمال كله، شريطة عدم وجود ضررٍ؛ لا على مَن يعول، ولا الوَرَثة من بعده، وهذا من السَّرَف المباح؛ وذلك لأدلة، منها:

حديث زيد بن أسْلم عن أبيه، قال: سَمِعت عمر بن الخطاب يقول:"أمرَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن نتصدَّق، فوافَق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبقُ أبا بكرٍ، إن سبقتُه يومًا، قال: فجِئت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ما أبقيتَ لأهلك ) )، قلت: مِثْلَه، وأتى أبو بكر بكلِّ ما عنده، فقال: (( يا أبا بكر، ما أبْقَيتَ لأهلك ) )، قال: أبْقَيتُ لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسْبقه إلى شيء أبدًا )) [35] ."

قلت: وقد يظنُّ القارئ أنَّ هناك تعارُضًا بين قصة عمر وأبي بكر الذي تصدَّق فيها بكلِّ ماله وحديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - الذي ينهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التصدُّق بأكثر من الثُّلُث، وعلى الرغم من أننا في مادة هذا البحث نطرح موضوع الإسراف؛ لأننا أثَرنا هذه النقطة بالاستشهاد بالحديثين، فإنه من الواجب رَفْع الإشكال لدى القارئ الكريم، فها هو الطبري والحافظ ابن حجر - رحمهما الله - قد فنَّدا شُبهة التعارُض، فقد قال ابن حجر [36] :

"قال الجمهور: مَن تصدَّق بماله كله في صحَّة بدنه وعقله؛ حيث لا دَيْن عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيال يصبرون أيضًا - فهو جائز، فإن فُقِد شيء من هذه الشروط، كُرِه، وقال بعضهم: هو مردود"، ثم قال:"وقال آخرون: يجوز من الثُّلُث ويُرَدُّ عليه الثُّلُثان، وهو قول الأوزاعي، ومكحول، وعن مكحول أيضًا يُرَدُّ ما زاد على النصف، قال الطبري: والصواب عندنا الأول من حيث الجواز، والمختار من حيث"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت