ويجب ملاحظة أنَّ الفارق بين السَّرَف والجود، أنَّ السَّرَف تبذيرٌ للمال من غير ضرورة شرعيَّة أو دنيويَّة؛ مباحة كانت، أو غير مباحة، وأمَّا الجود فهو وَضْع المال في موضعه المشروع والمباح.
ومن أدلة هذا النوع من القرآن والسُّنة:
• قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271] .
• ومن السُّنة ما رُوِي عن سعد بن أبي وقَّاص - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله، أنا ذو مالٍ، ولا يَرثني إلاَّ ابنة لي واحدة، أفأتصدَّق بثُلُثي مالي؟ قال: (( لا ) )، قلت: أفأتصدَّق بشَطره؟ قال: (( لا ) )، قلت: أفأتصدَّق بثُلُثه؟ قال: (( الثُّلُث، والثُّلُث كثير؛ إنَّك إن تَذَر ورَثتك أغنياءَ، خير من أن تَذَرهم عالةً يتكفَّفون الناس ) ) [34] .
قال النووي في شرح الحديث ما مُختصره:
"قوله:"وأنا ذو مال"دليل على إباحة جَمْع المال؛ لأنَّ هذه الصيغة لا تُستعمل في العُرف إلاَّ لمالٍ كثير، قوله:"ولا يَرِثني إلا ابنة لي"؛ أي: ولا يَرثني من الولد وخواص الوَرَثة، وإلاَّ فقد كان له عَصَبة، وقيل: معناه: لا يَرثني من أصحاب الفروض، قوله:"أفأتصدَّق بثُلُثي مالي؟"، قال: (( لا ) )، قلت: أفأتصدَّق بشَطره، قال: (( لا، الثُّلُث والثُّلُث كثير ) )؛ أي: يَكفيك الثُّلُث، وفي هذا الحديث مراعاة العدل بين الورثة والوصيَّة؛ قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إن كان الورثة أغنياءَ، اسْتُحِبَّ أن يوصي بالثُّلُث تبرُّعًا، وإن كانوا فقراءَ، اسْتُحِبَّ أن ينقصَ من الثُّلُث، وأجْمَع العلماء في هذه الأعصار على أنَّ مَن له وارثٌ لا تَنْفُذ وصيَّته بزيادة على الثُّلُث إلاَّ بإجازته، وأجْمَعوا على نفوذها في جميع المال، وأمَّا مَن لا وارِثَ له، فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا تَصِحُّ وصيَّتُه فيما زاد على الثُّلُث، وجوَّزه أبو حنيفة وأصحابه، وإسحاق وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ورُوِي عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما."
وأمَّا قوله:"أفأ تصدَّق بثُلُثي مالي؟"، فيحتمل أنه أراد بالصدقة: الوصيَّة، ويحتمل أنه أراد: الصدقة المُنجزة، وهما عندنا وعند العلماء كافة سواء، لا