الصفحة 15 من 30

لكني أصوم وأُفطر، وأُصلي وأَرْقُد، وأتزوَّج النساء، فمَن رَغِب عن سُنَّتي، فليس مني )) [23] .

ومن الحديث يتبيَّن رَفْضُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لهذا التنطُّع [24] والغلو في العبادة، والزيادة فيها بما لَم يُشرعه ويسنه لأُمَّته، رغم شرعيَّة الأعمال التي أرادوا أن يعملها هؤلاء الرَّهط؛ لأنه تشدُّد وإسراف يُخالف الطبيعة الإنسانيَّة وقُدرتها على التحمُّل.

وجاء في"سُبل السلام"؛ للصنعاني (4/ 427) ما مختصره:

"وهو دليل على أنَّ المشروع هو الاقتصاد في العبادات، دون الانهِماك والإضرار بالنفس، وهَجْر المألوفات كلِّها، وأنَّ هذه الملَّة المحمديَّة مبنيَّة شريعتها على الاقتصاد والتسهيل والتيسير، وعدم التعسير؛ {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، ثم قال: وأراد - صلَّى الله عليه وسلَّم - بقوله: (( فمَن رَغِب عن سُنَّتي - عن طريقتي - فليس منِّي ) )؛ أي: ليس من أهل الحنفيَّة السهلة، بل الذي يتعيَّن عليه أن يَفطُر ليقوى على الصوم، وينام ليقوى على القيام، ويَنكح النساء ليعفَّ نظره وفَرْجه، وقيل: إن أراد مَن خالَف هَدْيه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وطريقته أنَّ الذي أتى به من العبادة أرجحُ مما كان عليه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فمعنى: (( ليس مني ) )؛ أي: ليس من أهل مِلَّتي؛ لأن اعتقاد ذلك يؤدي إلى الكفر"؛ ا. هـ.

2 -حديث أبي جُحيفة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - آخَى بين سلمان وبين أبي الدرداء، قال: فجاءه سلمان يزوره، فإذا أمُّ الدرداء متبذِّلة [25] ، فقال: ما شأنك يا أمَّ الدرداء؟ قالت: إنَّ أخاك أبا الدرداء يقوم الليل ويصوم النهار، وليس له في شيء من الدنيا حاجة، فجاء أبو الدرداء، فرحَّب به وقرَّب إليه طعامًا، فقال له سلمان: اطْعَم، قال: إني صائم، قال: أقْسَمت عليك لتفطرنَّ، ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل معه ثم بات عنده، فلمَّا كان من الليل، أراد أبو الدرداء أن يقومَ، فمنَعه سلمان، وقال له: يا أبا الدرداء، إن لجسدك عليك حقًّا، ولربِّك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، صُمْ وأفْطِر، وصلِّ، وائْتِ أهلَك، وأعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلمَّا كان في وجه الصُّبح، قال: قمِ الآن إن شئتَ، قال: فقاما فتوضَّأا، ثم ركعا، ثم خرجا إلى الصلاة، فدنا أبو الدرداء ليُخبر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالذي أمرَه سلمان، فقال له رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( يا أبا الدرداء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت