إذًا لابد وحتما من تأصيل هذا الفهم الدقيق لا سيما لإخواننا الدعاة وطلاب العلم الذين ربما يغيب عن أذهانهم حقيقة الزهد في هذه الحياة الدنيا ، فنحن لا نريد أن نُقنَّتْ أحدًا من هذه الدنيا ، ولا نريد أن نثبت لعامل في هذه الدنيا ولو كان في الحلال أنه قد تجاوز عن طريق الأنبياء والصالحين والأولياء ... كلا ..!كلا ..!!
بل الدنيا مزرعة للآخرة .
تدبر معى قول على رضى الله عنه وهو يقول:
"الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار نجاة لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن أخذ منها ، الدنيا مهبط وحى الأنبياء ومصلى أنبياء الله ومتجر أولياء الله".
فالدنيا مزرعة للآخرة فتدبر معى هذا الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أنس قال النبى - صلى الله عليه وسلم -:
(( ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة ) ) (1) .
إذًا لابد من هذا التأصيل والفهم العميق لحقيقة الدنيا ، لننطلق من هذه الدار الفانية إلى دار تجمع بين سلامة الأبدان والأديان .. دار القرار .
فلابد قبل العبور إلى دار القرار من المرور من دار الفناء ، فالدنيا دار ممر والآخرة هى دار المقر ، الدنيا مركب عبور لا منزل حبور ، الدنيا دار فناء لا دار بقاء ، لابد من وعى هذه الحقيقة التى لا مراء فيها ، لنزرع هنا بذورًا ، لنجنى هنالك ثمارًا .
(1) رواه البخارى رقم (2320) ، في الحرث والمزارعة ، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه ، ومسلم رقم (1553) فى المساقاة ، باب فضل الغرس والزرع ، والترمذى رقم (1382) فى الأحكام ، باب ما جاء في فضل الغرس .