وأكد الحبيب المصطفى هذه الحقيقة في حديثه الصحيح الذى رواه الترمذى من حديث سهل بن سعد الساعدى رضى الله عنه قال صلى الله عليه وسلم (( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء ) ) (1) .
فالدنيا حقيرة عند الله أعطاها للمؤمن والكافر على السواء ، فلو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا قط شربة ماء واحدة ، لذا كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يوصى أحبابه بعدم الركون والطمأنينة إلى هذه الدار الفانية لا محالة ، كما أوصى بذلك عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كما في صحيح البخارى:
(( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) )، وكان ابن عمر يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك".
ورحم الله من قال:
إن لله عبادًا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لِحَىٍّ وطنًا
جعلوها لُجَّة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سُفْنا
فالفطناء العقلاء هم الذين عرفوا حقيقة الدار ، فحرثوها وزرعوها ... وفى الآخرة حصدوها .
فالذم الوارد في القرآن والسنة للدنيا لا يرجع إلى زمانها من ليل ونهار فلقد جعل الله الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا ، والذم الوارد للدنيا في الكتاب والسنة لا يرجع إلى مكانها ألا وهو الأرض ، إذ أن الله قد جعل الأرض لبنى آدم سكنًا ومستقرًا .
والذم الوارد في القرآن والسنة لا يرجع إلى ما أودعها الله عز وجل من خيرات ، فهذه الخيرات نعم الله على عباده وجميع خلقه .
إنما الذم الوارد في القرآن والسنة يرجع إلى كل معصية ترتكب في حق ربنا جل وعلا .
(1) رواه الترمذى رقم (2321) فى الزهد ، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل ، وابن ماجة رقم (2410) فى الزهد ، باب مثل الدنيا ، وهو في صحيح الجامع رقم (5292) .