تعدى أحد الخصوم حدوده وخرق آداب الجلسة ·
وقد نصح ابن فرحون القضاة بدعوة المتقاضين في أول الجلسة باحترام آدابها والمحافظة على مهابتها ووقارها وفي ذلك قال:"ويحضهما عند ابتداء المحاكمة على التؤدة والوقار" (4) · ولاريب أن في إلزام القاضي بدعوة المتقاضين بالتحلي بآداب الجلسة ومراعاة حرماتها أثرًا في تقويم سلوك هؤلاء بما يذكرهم بإلزام حدودهم ويبعدهم عن الاعتداء إن قولًا أو فعلًا ·
وقد وضع فقهاء الإسلام كعادتهم من الضوابط ماينظم سلوك الحكام قال الفقيه ابن فرحون:"··· فإذا ظهرت الشيكة بهم ولم تعرف أحوالهم سأل عنهم" (5) ·
وعليه ألزم الإمام أو قاضي القضاة بإجراء التحريات اللازمة بشأن الدعاوى المرفوعة ضد القضاة للتأكد من مدى جديتها فقبل أن يفصل في موضوع الدعوى عليه أن يسأل عن القاضي محل الشكوى أولًا بين أناس ثقاة مخلصين حتى يجمع من أدلة الإدانة مايدفعه لإصدار حكمه ·
وطالما كان ضابط المصلحة هو الذي يحرك الإمام أو الأمير وهو الذي يضفي على أعماله وتصرفاته طابع الشرعية فلا نعتقد أن يبادر هذا الأخير إلى الانتقام من قضاته أو التنكيل بهم أو التشهير بأفعالهم وهم رأس سلطانه وتاج ولايته ·
وإذا كان كثير من الحكام في عصور مابعد الخلافة قد امتدت يدهم على القضاة فألحقوا بهم أضرارًا، فذلك إنما يدل على أن هؤلاء خرجوا عن ضابط المصلحة وما يقتضيه من تصرفات وأعمال ·
وهكذا اتضح لنا جليًا مدى المهابة والاحترام التي كان يعيرها الحكام والمحكومون في صدر الإسلام لسلطة القضاء · وهكذا خلع الفقهاء على القضاة أسمى معاني الحصانة الجنائية ما أبعدهم عن أذى كل باطش ·
الخاتمة
والآن، وبعد أن اتضحت المعالم، يحق لنا التفاخر أن القضاء في الإسلام احتل مكانة لم يحتلها من قبل ومن بعد · فكانت مجالس القضاء كما رأينا مجالس هيبة وإجلال · وكان القضاة محل استشارة من قبل الخلفاء والوزراء والولاة وغيرهم · وكان القضاء حصنًا منيعًا وملاذًا للمظلومين والمعتدى على حقوقهم أيًا كان أصلهم ومعتقداتهم ووضعهم الاجتماعي والاقتصادي · وساهم القضاء الإسلامي في إرساء معالم شريعتنا في الأسرة والمجتمع والمعاملات والجنايات وغيرها ·
وإذا كان يجب في نهاية هذا البحث أن أسجل نقطة فلا نتردد لحظة في القول أن القضاء الإسلامي شهد غزارة في الأحكام واستقلالًا عند الفصل والنظر، ورفعة في المكانة، ودرجة من الأهمية والسمو، لم يشهدها قبل شروق شمس الإسلام وبعده ·