ولقد سبق البيان أن القضاء أمانة فإذا حاد القاضي عن الجادة وخان الأمانة كان عرضة للمساءلة المدنية، إذ الحصانة مدت له بهدف إحقاق الحق بين الناس لا لاستعمال سلطته نكاية وإضرارًا بأحد المتقاضين كما أن الحصانة المطلقة عن الأخطاء العمدية وغير العمدية من شأنها أن تقلب القضاء مسرحًا للانتقام وإهدار الحقوق لا حمايتها ·
ونرى أن هذه الأحكام الفقهية في مجال المساءلة المدنية تحمل روحًا واحدة هي روح الاستقلال، فحتى لايكون القاضي عرضة لمخاوف قد تراوده نتيجة نظام المساءلة فتؤثر على استقلاله وتخدش حيدته، حصن مطلقًا ضد أي شكوى إن كان عادلا، إذ كيف يتصور أن يكون القاضي مستقلًا في أحكامه محايدًا في مواقفه عادلًا في قضائه إذا كان مهددًا في كل مرة بالدفاع عن أحكام أصدرها ·
لاشك أن مساءلة القضاة مدنيًا عن كل مايصدر عنهم من صغيرة أو كبيرة لأمر من شأنه أن يشل إرادة القاضي ويبتر حيدته ويعدم استقلاله · لذا كان طبيعيًا أن يتوج الفقه الإسلامي مبدأ الاستقلال باعتباره إحدى السمات الأساسية للنظام القضائي الإسلامي بنظام الحصانة المطلقة بالنسبة للقضاة العدول فلا تقبل شكوى من شكاهم وترد كل المزاعم ضدهم ·
المطلب الثالث
الحصانة الجنائية للقاضي
سبق البيان أن القاضي بفصله في المنازعات وقطعه للخلافات يبين حكم الشرع ويلزم الحاكم والمحكوم بالإذعان لحكمه وتنفيذ قراره قال جل شأنه: فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا (1) ·
ونظرًا لما تتصف به الأحكام القضائية في النظام الإسلامي من حجية، فإن كل اعتراض على حكم القاضي أو محاولة الاعتداء عليه أو التشهير به أو الإساءة إليه يعني تعطيلًا لمصلحة المسلمين طالما كان القاضي يمارس مهمة الفصل في الخصومات بتكليف من الإمام ولمصلحة الجماعة ·
ومن هنا فإن عظمةرسالة القضاء، وثقل أمانة القاضي، وسمو مكانته وعلو شأنه كانت سببًا في إضفاء حماية معنوية له بما يجعل له المهابة بين الناس، خاصة أن أعلام الإسلام وفقهاءه أكدوا أن التمرد على القضاء يعني التمرد على الخلافة، وأن الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي يعني الامتناع عن أداء فريضة الزكاة (1) ·
وبين الفقه الإسلامي السلطة الكاملة للقاضي في تسيير الجلسات وحفظ آدابها وحرمتها بما يلزم المتقاضي بمراعاة حدوده قال العلامة ابن فرحون (2) :"إذا حضر الخصمان بين يديه فليسو بينهما في النظرة إليهما والتكلم معهما مالم يتعد أحدهما فلا بأس أن يسو نظره إليه ويرفع صوته عليه لما صدر عنه من اللدد (3) ونحو ذلك"·
فإذا كان رفع الصوت سلوكًا منبوذًا في ساحة القضاء فإنه يرخص للقاضي فعل ذلك إذا