الصفحة 15 من 22

وقال له فيه:"··· لايمنعك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل (1) ·"

وتبعًا للقاعدة المذكورة إن رأى القاضي أنه جانب الصواب في قضائه فقضى بملكية شيء لغير مالكه مثلًا ثم راجع نفسه وأدرك الخطأ فما عليه إلا نقض القاضي وإذا نقض القاضي الحكم يعاد الوضع إلى ماكان عليه قبل تنفيذه (2) ·

ولاشك عندنا أن هذا المسلك يتماشى مع روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها وأن في تطبيقها ضمانًا لرعاية الحقوق ودعامة أساسية لانتشار العدل بين الرعية فضلًا على أن هذه القاعدة تحمي القاضي وتحفظ استقلاله وتفتح أمامه سبل تصحيح الخطأ الذي وقع فيه ·

ومن أرقى الآراء الفقهية في مجال الحماية المدنية ماذكره العلامة ابن فرحون قال:"قال حبيب قال مطرف وإذا اشتكى على القاضي في قضية حكم فيها ورفع ذلك إلى الأمير فإن كان القاضي مأمونًا في أحكامه عدلًا في أحواله بصيرًا بقضائه فأرى أن لايعرض له الأمير في ذلك ولا يقبل شكوى من شكاه ولا يجلس الفقهاء للنظر في قضائه فإن ذلك من الخطأ إن فعله ومن الفقهاء إن تابعوه" (3) ·

وترتيبًا على هذا الرأي لايجوز مخاصمة القاضي إذا كان أمينًا عادلًا ولايجوز للفقهاء إعادة النظر في حكمه، كما لايجوز للأمير أن يعرض عليهم فعل ذلك · ومنه يتضح أن القاضي العادل يتمتع بحصانة مطلقة ضد المساءلة المدنية فلايجوز مساءلته عما أصدره من أحكام ·

ولاشك أن مسألة التمييز بين القاضي العادل وغيره، والبصير وخلافه، تفرض على الإمام أن يتفقد أحوال قضاته وأن يتحسس أخبارهم ويرعى شؤونهم ويسأل عن سيرتهم بين القوم الصالحين، كيف لا وهم رأس سلطانه وتاج ولايته وباب عدله وأمناؤه على الرعية · وقد واصل العلامة ابن فرحون قوله:"وإن كان عنده متهمًا في أحكامه أو غير عدل أو جاهلًا بقضائه فليعزله وليول غيره" (1) ·

وقال بعض الفقهاء لاينبغي أن يمكن الناس من خصومة قضاتهم لأن ذلك لايخلو من وجهين إما أن يكون القاضي عادلًا فيستبان بذلك ويؤذى، وإما أن يكون فاجرًا وهو ألحن بحجته ممن شكاه فيتسلط ذلك القاضي على الناس فيؤذي (2) ·

وقال بعضهم إن أحكام القضاة تحمل على الصحة مالم يثبت الجور وفي التعرض لذلك ضرر بالناس، ووهن للقضاء إذ القاضي لايخلو من أعداء يرمونه بالجور فإن مات أو عزل قاموا يريدون الانتقام منه بنقض أحكامه فلا ينبغي للسلطان أن يمكنهم من ذلك (3) · وإذا ثبت جور القاضي وتعمد في إصدار حكمه إحداث ضرر بأحد المتقاضين أو تحقيق مصلحة خاصه له أو لغيره فإنه بذلك يتحمل تبعة عمله، قال الحنفية"إذا تعمد القاضي الجور فيما قضى فالضمان في ماله" (4) ·

ومن جميع هذه الأحكام الفقهية نستنتج أن القاعدة العامة في الفقه الإسلامي تقضي بعدم مخاصمة القاضي سيما إذا اشتهر بين الناس بالعدل والصلاح · غير أن ذلك لايعني إهدار حقوق المتقاضين، فإذا أخطأ القاضي متعمدًا كان عرضة لدعوى المخاصمة ولا يمكن تحصينه مطلقًا خاصة إذا ثبت فجوره · وهذا حتى يؤدي القضاء رسالته في المجتمع الإسلامي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت