السلطة التنفيذية على القضاء في كثير من الأنظمة حتى بات الاستقلال أحرفًا ميتة وأضحى القضاة مهددين كل لحظة بسحب الصفة القضائية عنهم ·
ونتفق مع ماذهب إليه الدكتور سعيد الحكيم في رسالته بأن الإمام تولى أمور المسلمين ليحقق لهم المصلحة بجلب المنافع ودرء المفاسد وليس من مصلحته عزل القاضي إذا لم يتغير حاله أو لم تكن هناك مصلحة تتحقق من ذلك (1) ·
ولعله تبين لنا الآن من خلال هذه الإطلالة مدى غزارة الفقه الإسلامي بشأن مبدأ الحصانة ضد العزل ومن خلال هذه المبادىء السامية والأحكام النيرة حق لنا أن نفاخر وندحض كل قول مفاده أن مبدأ عدم القابلية للعزل هو مبدأ حديث النشأة · وممايزيد في درجة فخرنا أن نظام الحكم في الشريعة الإسلامية يقوم على مبدأ الشورى وهو وحده كفيل بأن يحصن القاضي أكثر فأكثر ضد أي هوى قد يراود الإمام · فقبل أن يبادر هذا الأخير إلى عزل قاض معين يلجأ لمشاورة من يراهم أهلًا للاستشارة فيعرض عليهم أمره وقراره · وطالما تقدم معنا البيان أن الخلفاء لجئوا للصحابة، بل لعامة الناس لحسم بعض المسائل التي لم يرد بشأنها نص، فإن لجوءهم للمشاورة بشأن عزل القضاة أجدر وأولى وذلك بالنظر لخطورة العزل وماقد يترتب عليه من آثار تمس ضوابط المصلحة ·
المطلب الثاني
الحصانة المدنية للقاضي
لا أحد يستطيع أن ينكر أن نصوص القرآن الكريم أجملت القواعد العامة للفصل في المنازعات وجاءت السنة النبوية الشريفة لتفصل في بعضها وتوضح البعض الآخر · ومع هذا التفصيل ترك للقاضي مجال للاجتهاد فيما لم يرد بشأنه نص قال صلى الله عليه وسلم: (·· فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ···) وقد قرر الفقهاء قواعد الاجتهاد وآدابه فهذا الإمام أبو حنيفة قال:"إن كان أعلم من مخالفه عمل على اجتهاد نفسه · وإن كان مخالفه أعلم منه عمل على اجتهاد مخالفه وهذا تطبيقًا لقوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون (1) (2) · وإن اجتهد القاضي فأخطأ فليس لأهل الاجتهاد أن يعارضوه وذلك تطبيقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (3) ·"
ولقد تقدم معنا البيان أن عمر بن الخطاب لم ينقض قضاء علي وزيد وقال الرجل:"لو كنت أردك إلى نص في كتاب الله أو في سنة رسوله لفعلت ولكن أردك إلى اجتهاد والرأي مشترك"·
وعليه فالوظيفة القضائية إذا كانت تتطلب في القائمين بها اجتهادًا لفض المنازعات وقطعها فلا يجوز إلقاء الملامة على المجتهدين من القضاة ومساءلتهم عن أحكام أصدروها · وقد انفردت الشريعة الإسلامية بنظرية خاصة في مجال المرافعات هي نظرية مراجعة الأحكام فأباحت بمقتضاها للقاضي نقض الحكم من تلقاء نفسه دون حاجة لأن يطلب ذلك الخصوم فقد كتب عمر بن الخطاب لقاضيه أبي موسى الأشعري كتاب جمع له فيه قواعد النظام القضائي