الصفحة 13 من 22

ذهب الشافعية والمالكية والحنابلة في رواية إلى عدم قابلية القاضي للعزل مع سداد حاله وإذا لم يكن في عزله تحقيق مصلحة أو درء مفسدة وذلك لتعلق حق الأمة به (1) · ولم يجز هذا الاتجاه للمولى عزل القاضي دون سبب وذلك تطبيقًا لقوله تعالى: أوفوا بالعقود (2) فتقليد القضاء وفق هذا الاتجاه تم بعقد بين الإمام والقاضي لمصلحة المسلمين وأن القول بجواز عزله دون سبب فيه إخلال بالعقد وهذا ممالايجوز (3) ·

الاتجاه الثاني:

ذهب الحنفية والحنابلة في رواية ثانية إلى جواز عزل القاضي ولو لم يصدر عنه مايقتضي عزله واستدلوا في ذلك إلى أن الإمام إذا كان يملك عزل أمرائه في كافة البلاد الإسلامية فيكون له أيضًا عزل قضاته · كما استندوا إلى تصرفات كثيرمن الخلفاء مع قضاتهم، فهذا الخليفة عمر ولى أبا مريم الحنفي قضاء البصرة وبعد أن وجد فيه ضعفًا قال:"لأعزلن أبا مريم وأولين رجلًا إذا رآه الفاجر فرقه"ثم عزله وولى كعب بن سور · كما يروى عنه أنه عزل شرحبيل عن ولاية الشام وولى معاوية فقال شرحبيل:"أمن جبن عزلتني أو خيانة؟ قال: من كل لا ولكن أردت رجلًا أقوى من رجل" (1) ·

ويروى أن عليًا ولى أبا الأسود ثم عزله قال:"لما عزلتني وماخنت وماجنيت؟ قال إني أراك يعلو صوتك على صوت الخصوم" (2) ·

الاتجاه الثالث:

ذهب رأي ثالث إلى القول بجواز عزل القاضي لتحقيق مصلحة كتعيين من هو أفضل منه قال أبو علي في شرحه الكبير:"··· إذا ولى الإمام قاضيًا إذا لم يتعين عليه فعزله بمثله أو من هو أصلح منه"· واستند هذا الاتجاه إلى كتاب الإمام علي رضي الله عنه لواليه الأشتر النخعي والذي جاء فيه:"ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك" (3) · كما استندوا إلى ماروي عند الإمام أبي حنيفة أنه قال:"لايترك القاضي على قضائه أكثر من سنة لأنه متى اشتغل بذلك نسي العلم فيقع في الخلل"· وعليه يجوز للإمام أن يعزله ويقول له:"ماعزلناك لفساد فيك لكنني أخشى عليك أن تنسى العلم فادرس العلم ثم عد إلينا" (4) ·

ونعتقد أن هذه المذاهب جميعًا رغم اختلافها في مناقشة المسألة، الا أنها تكاد تجمع على رأي واحد مفاده أنه ينبغي أن تكون مسببات العزل محاطة بضوابط المصلحة، وإن كل عملية إبعاد عن ممارسة العمل القضائي ينبغي أن تحمل في مضمونها أسبابًا تبررها · فإذا كان الإمام قد اختار القاضي بناء على مواصفات هو يعلمها مناسبة لرسالة القضاء فإن تغيير هذه المواصفات أو تخلف أحد شروط القضاء لايحول دون ممارسة الإمام لصلاحية العزل · ويؤيد اتجاهنا هذا أن حالات العزل التي حدثت في زمن الخلفاء الراشدين حملت كل واحدة منها أسبابًا قوية مقنعة بررت تصرف صاحبها · فهذا الفاروق عزل قاضيه لأنه رأى فيه ضعفًا وهناك من هو أفضل منه · وعلي رضي الله عنه عزل قاضيه بعد أن تبين له خرقه لأدب القضاء وحرمة الجلسات برفع صوته على الخصوم وغيرها من حالات العزل ·

وإذا كان لي أن أرجح رأيًا من الآراء الثلاثة فينبغي الأخذ بالرأي الأول لأنه أكثر حماية للقاضي وأدعى لتحقيق الاستقلال وتبدو الحاجة أكثر للأخذ به في زماننا هذا حيث ثقلت يد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت