الصفحة 27 من 30

قلت: وقال الحافظ أيضًا في الفتح (3/116) رقم1246:

=وقال ابن المرابط: مراده _ يعني البخاري في الترجمة _ أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح _ وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله _ لكن في تلك المفسدة مصالح جمة؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام.

وأما نعي الجاهلية فقال سعيد بن منصور: =أخبرنا ابن علية، عن ابن عون، قال: قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ قال: نعم.

قال ابن عون: كانوا إذا توفي الرجل ركب رجل دابة ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا+.

وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: لا أعلم بأسًا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه+.

قلت: الأولى: أن يقال: كونه ثبت عن النبي"أنه نعى النجاشي وجعفرًا وأصحابه للناس لا ينبغي أن يعارض به ما ورد عنه"من النهي عن النعي؛ لأن هؤلاء المذكورين قد ماتوا في بلاد غير بلادهم فلم يكونوا حاضرين عنده، وإنما أخبره الله _سبحانه_ بموتهم عن طريق الوحي، لذا نعاهم"للناس."

وعلى هذا فمن كان موته مثل موت هؤلاء جاز نعيه، ومن لم يكن كذلك فلا ينعى، وبهذا يحصل العمل بالأدلة جميعًا. والعلم عند الله تعالى.

يؤيد هذا أنه قد ثبت عن كثير من السلف أنهم أوصوا بعدم إعلام أحد من الناس بموتهم معللين ذلك بالخوف من أن يكون الإعلام نعيًا تارةً.

وتارة بالخوف من أن يكون جاهلية، وأخرى مخافة أن يقال: ما أكثر من اتبعه.

فقد قرَّ آنفًا قول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل:

=ولا تؤذنوا بي أحدًا؛ فإنها الجاهلية+ أو دعوى الجاهلية+.

وقول علقمة بن قيس النخعي الكوفي الثقة الثبت الإمام الفقيه العابد:

=إذا كان من يحمل الجنازة، فلا تؤذن أحدًا مخافة أن يقال/ ما أكثر من اتبعه+.

ووصية إبراهيم بن يزيد بن قيس الأسود النخعي التي قال فيها:

=إذا كنتم أربعة، فلا تؤذنوا بي أحدًا+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت