وبعض الناس يأتي بعامل لإصلاح خلل في منزله, فإذا انتهى من عمله لم يعطه حقه إلا بشق الأنفس, وربما أعطاه أقل من حقه.
فهذه مظاهر تنم عن بخلٍ بغيض, وأثرة قبيحة يجدر بالعاقل أن ينأى بنفسه عنها, وأن لا يحتقر شيئًا منها.
وإلا فإن الناس سينفرون منه, ويحذرون من التعامل معه.
ورحم الله ابن فارس إذ يقول:
إذا كنت في حاجة مُرْسِلًا ... وأنت بها كَلِفٌ مغرمُ
فأرسل حكيمًا ولا توصِه ... وذاك الحكيم هو الدرهمُ
إكرام الضيف عادة عربية, وشعبة إيمانية, وخصلة حميدة.
قال النبي": =من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه+."
وبعض الناس يظن أن إكرام الضيف يقتصر على إطعامه الطعام فحسب.
ولا ريب أن ذلك من أعظم حقوق الضيف.
ولكن مفهوم الضيافة أشمل, ومعاني الإكرام أوسع؛ إذ يدخل في إكرام الضيف ملاطفته وإيناسه, وحسن استقباله, والإقبال إليه بالوجه إذا تحدث, والحذر من الإشاحة عنه, أو السخرية بحديثه.
والعرب تجعل الحديث, والبسط, والتأنيس, والتلقي بالبشر _ من حقوق القِرى, ومن تمام الإكرام.
وقالوا: من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة, وإطالة الحديث عند المؤاكلة.
قال حاتم الطائي:
سلي الجائع الغرثان يا أم منذر ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
هَلَ ابسط وجهي إنه أول القِرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
وقال مسكين الدارمي:
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزالٌ مْقَنَّعُ
أحدثه إن الحديث من القِرى ... وتعلم نَفسي أنه سوف يهجع
ويعني بالغزال المقنع: الزوجة.
وقال آخر:
وإني لَطلْقُ الوَجْهِ للمبتغي القِِرى ... وإن فنائي للقِرى لخصيب
أضاحك ضيفي قبلَ إنزال رَحله ... فيخصب عِندي والمكان جديب
وما الخِصب للأضياف أن يكثر القِرى القِرى ... ولكنما وجهُ الكريم خصيب
وقيل للأوزاعي×: ما إكرام الضيف؟
=قال: طلاقة الوجه, وطيب الكلام+.