وإذا أُحضر للمساءلة، أو العقاب، أو العتاب _ بادر باللطف، والاعتراف، والاعتذار؛ فمرةً يعد بأن تكون الأخيرة، وثانيةً يقول: أنتم الآباء، ونحن الأبناء، وثالثةً يقول: إن عاقبتم فبعدل، وإن عفوتم فبفضل، ورابعةً يقول: اطووا قيدي؛ فأنا لا أستحق الدراسة عندكم، وخامسةً يقول: أنا سأترك الدراسة من نفسي؛ لأنني خجلت من كثرة المطل في المواعيد، ولكن أمي مريضة في السكر، والضغط _وهو صادقٌ في ذلك_ فأخشى إذا رأتني وقد فُصلت من الدراسة أن يتضاعف مرضها؛ فأنتم وما ترون.
وهكذا استمر على هذا المنوال، ونحن وهو في شدٍّ وجذب حتى أنهى دراسته في المعهد.
تُرى لو كان هذا الطالب _ومن على شاكلته_ إذا أساء أصرَّ، و عاند، وكابر هل سيطاق منه ما يصدر عنه؟
الجواب: لا، بل سيزيد الطين بلة، والمرض علة.
إذًا ما المانع من الاعتذار حال الخطأ؟ وما الداعي لمزيد من التعاظم إذا وجه لنا لوم نستحقه؟ ولماذا لا نتقبل النقد البناء بصدر رحب, ونفس مطمئنة؛ حتى نضع أنفسنا مواضعها, ونسلم من تبعات اللجاج, والتمادي في الباطل؛ فما نحن إلا بشر, وما كان لبشر أن يدعي أنه لم ولن يقول إلا صوابًا.
هذه كلمة تجري على ألسنة العامة, ولها نصيب من النظر؛ فالبخيل الذي يبالغ في إمساك ماله, وعلمه, وجاهه, ووقته حري بأن لا يجد من الناس إلا الإعراض والجفاء.
وإن من الناس من يستخدم أصدقاءه, وزملاءه, ومن تحت يده في العمل دون أي مقابل؛ فتراه _ على سبيل المثال _ إذا أراد عمل وليمة أو رحلة أوصى فلانًا أن يأتي بكذا, وفلانًا أن يأتي بكذا وكذا دون أن يعطيهم حقهم.
وبعض الناس يتهاون بأمور يظنها صغيرة؛ حيث يرسل فلانًا ليحضر له أقلامًا, أو أوراقًا، أو نحو ذلك, ثم يتهاون بدفع القيمة له بحجة أن هذه أمور لا تستحق الذكر.
وربما أرسل أحدًا ليحضر له غرضًا من الأغراض أو سلعة من السلع؛ فإذا أحضرها له, وأخبره بقيمتها بدأ يتذمر, ويوبِّخ المُرْسَل, وربما شك في صدقه.