فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 161

وقدم جماعة فتيان لزيارة فتىً, فقال الرجل: يا غلام قدم السفرة, فلم يقدم, فقالها ثانيًا وثالثًا، فلم يقدم, فنظر بعضهم إلى بعض, وقالوا: ليس من الفتوة أن يستخدم الرجل من يتعاصى عليه في تقديم السفرة كل هذا, فقال الرجل: لم أبطأت بالسفرة؟

فقال الغلام: كان عليها نَمْل, فلم يكن من الأدب تقديم السفرة إلى الفتيان مع النمل, ولم يكن من الفتوة إلقاء النمل وطردهم عن الزاد, فلبثت حتى دب النمل, فقالوا: يا غلام, مثلك يخدم [1] الفتيان.

ومن الفتوة التي لا تلحق: ما يذكر أن رجلًا نام من الحاج في المدينة, ففقد هميانًا فيه ألف دينار, فقام فزعًا, فوجد جعفر بن محمد, فعلق به, وقال: أخذت همياني, فقال: أي شيء كان فيه؟ قال: ألف دينار, فأدخله داره, ووزن له ألف دينار, ثم إن الرجل وجد هميانه, فجاء إلى جعفر معتذرًا بالمال, فأبى أن يقبله منه, وقال: شيء أخرجته من يدي لا أسترده أبدًا, فقال الرجل للناس: من هذا؟ فقالوا: هذا جعفر بن محمد ÷+.

هذا وإن الفتوةَ مراتبُ, ودرجاتٌ, وقد أشار إلى شيء من ذلك الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين في شرح منازل السائرين لأبي إسماعيل الهروي×.

قال ابن القيم×: =قال صاحب المنازل: (ونكتة الفتوة ألا تشهد لك فضلًا, ولا ترى لك حقًا) .

يقول: قلبُ الفتوةِ, وإنسانُ عينها أن تفنى بشهادة نقصك, وعيبك عن فضلك, وتغيب بشهادة حقوق الخلق عليك عن شهادة حقوقك عليهم.

والناس في هذا مراتب فأشرفها: أهل هذه المرتبة, وأخسها: عكسهم, وهم أهل الفناء في شهود فضائلهم عن عيوبهم, وشهود حقوقهم على الناس عن شهود حقوق الناس عليهم.

وأوسطهم: مَن شَهد هذا وهذا, فيشهد ما فيه من العيب والكمال, ويشهد حقوق الناس عليه، وحقوقه عليهم+.

(1) 1_ لعلها: يخدمه الفتيان، أو لعلها بصيغة الاستفهام: مثلك يخدم الفتيان؟ يعني أن الأولى أن يخدمك الفتيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت