إلى أن قال×متحدثًا عن درجات الفتوة: =قال _أي أبو إسماعيل الهروي_: =وهي على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: ترك الخصومة, والتغافل عن الزلة, ونسيان الأذيّة+.
ثم شرع ابن القيم في شرح هذه الدرجة قائلًا: =هذه الدرجة من باب الترك والتخلي, وهي ألا يخاصم أحدًا, فلا ينصب نفسه خصمًا لأحد غيرها؛ فهي خصمه.
وهذه المنزلة _أيضًا_ ثلاث درجات, لا يخاصم بلسانه, ولا ينوي الخصومة بقلبه, ولا يُخْطِرها على باله, هذا في حق نفسه.
وأما في حق ربه: فالفتوة أن يخاصم بالله وفي الله, ويحاكم إلى الله, كما كان النبي"يقول في دعاء الاستفتاح (وبكَ خاصَمْتُ وإليك حاكمتُ) ."
وهذه درجة فتوة العلماء الدعاة إلى الله _تعالى_.
وأما التغافل عن الزلة فهو أنه إذا رأى من أحد زلة يوجب عليه الشرع أخذه بها أظهر أنه لم يَرَها؛ لئلا يعرض صاحبها للوحشة, ويريحَه من تحمل العذر.
وفتوة التغافل أرفع من فتوة الكتمان مع الرؤية.
قال أبو علي الدقاق: جاءت امرأة فسألت حاتمًا عن مسألة؛ فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة, فخجلت, فقال حاتم: ارفعي صوتك؛ فأوهمها أنه أصم؛ فسُرَّت المرأة بذلك, وقالت: إنه لم يسمع الصوت؛ فَلُقِّب بحاتم الأصم, وهذا التغافل هو نصف الفتوة.
وأما (نسيان الأذية) فهو بأن تنسى أذية من نالك بأذى؛ ليصفو قلبك له, ولا تستوحش منه.
قلت: وهنا نسيان آخر _ أيضًا _ وهو من الفتوة, وهو نسيان إحسانك إلى من أحسنت إليه؛ حتى كأنه لم يصدر منك, وهذا النسيان أكمل من الأول, وفيه قيل:
ينسى صنائعه والله يُظهرها ... إنَّ الجميلَ إذا أخفيتَه ظَهرا+
ثم ساق ابن القيم كلام أبي إسماعيل الهروي في بيان الدرجة الثانية من درجات الفتوة, وهو قوله: =الدرجة الثانية: أن تُقَرِّب من يقصيك, وتُكرم من يؤذيك, وتعتذر إلى من يجني عليك, سماحة لا كظمًا, ومودة لا مصابرة+.