فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 161

ربما يظن بعض الناس أن شدة العتاب تُقْصِر المقُصِّر عن تفريطه, وترجع الغاوي إلى رشده.

ولكن ضرر ذلك قد يكون أكثر من نفعه؛ إذ إن هذا الصنيع قد يقود المعاتَبَ الى التمادي في الغي, أو الاستخفاف بالعتاب.

فَدَعِ العتابَ فَرُبَّ شرْ ... ر هاج أولَه العتاب

وقد يريد الإنسان بلومه صاحبَه التخفيفَ عن نفسه، وقد يحصل له مراده، ولكن قد يحدث العكس؛ فقد ينثال عليه من العتاب أضعافُ ما عاتب عليه _ كما يقول الأحنف _ وعلى حَدِّ قول ابن الرومي:

لا تُطْفئن جوىً بلومٍ إنه ... كالريح تُغري النار بالإحراق

وقد يكون الرفقُ أحيانًا أبلغَ أثرًا من العتاب خصوصًا إذا لم يكن الخطأ من طبيعة الجاني، أو كان له وجه عذر.

ولله دَرُّ أبي الطيب إذ يقول:

ترفَّقْ أيها المولى عليهم ... فإن الرفقَ بالجاني عتابُ

وإذا احتاج الإنسان إلى العتاب فليكن لينًا رفيقًا، يشعر المخطئ بخطئه بألطف ما يكون، دون أن تُغلق أمامه الأبواب، وعليه يحمل قول القائل:

أعاتب ذا المودة من صديق ... إذا ما سامني منه اغتراب

إذا ذهب العتاب فليس ودٌّ ... ويبقى الود ما بقي العتاب

أما إذا رأيت من صاحبك انصرافًا عن المودة، وزهدًا في الصداقة _ فإن العتاب لا يستدعي مودة، وعليه يحمل قول القائل:

أقلل عتاب من استربت بودِّه ... ليست تنال مودة بعتاب

كثير من أمراض البدن, وجراحاته تحتاج إلى وقت لكي تشفى وتندمل؛ إذ قد يُعَالَج المرضُ, ويداوى الجُرحُ, ويبقى البدن مع ذلك مدة تطول أو تقصر حتى يرجع إلى طبيعته الأولى.

وقل مثل ذلك في الأمراض والجراحات المعنوية التي تحصل من جراء الشحناء, والمراء, والإساءات؛ فهي تحتاج إلى علاج, وقد يكون مرور الزمن من بين هذه العلاجات الناجعة؛ فهو كفيل _ بإذن الله _ في تسوية النزاعات, وتهدئة الأنفس، ومراجعة الحسابات.

إذا تأملت القلوبَ وجَدْتَها كالأبواب من جهة أصحابها, أو من جهة مفاتيحها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت