ولا سبيل إلى الوصول إلى هذا السر إلا بتجريد التوحيد لمن بيده ملكوت كل شيء؛ فذلك هو سر السعادة، وسبيل العزة، وطريق الحرية الأعظم.
كنت أقرأ بيت أبي تمام الذي يقول فيه:
من لم يُقَدْ فيطيرَ في خيشومه ... رهجُ الخميسِ فلن يقود خميسا
ولم أكن أفهم معناه, أو أدرك مرماه.
ثم بدا لي فيما بعد أن هذا البيت يحتوي على حكمة رائعة لا تُسْتَغْرَبُ على أبي تمام.
وفحوى هذا البيت أن من لم تقُدْه الرجال لا يمكن أن يقود الرجال.
فمن أعظم مقومات القائد المُحنَّك,والمربي الفاضل أن يكون قَدْ مَرَّ في مرحلةٍ يكون فيها مقودًا مأمورًا مَسُودًا؛ فإذا مرَّ بهذه المرحلة استفاد مِنْ سَلَفِه, ووقف على وجه الصواب, وتعلَّم مُدارَاة الناس, وعلم كيف يأمر, وكيف ينهى.
بخلاف من جاء إلى القيادة دون مرور بهذه المرحلة؛ فإِنه قد يخفق, وقد يخاطر بمن تحت يده, وقد يفسد أكثر مما يصلح.
وإذا أردت ما يثبت فؤادك في هذا المعنى فانظر في سيرة الخلفاء الراشدين _رضي الله عنهم_ فلقد تربوا في ظل مدرسة النبوة, وأفادوا منها أيما فائدة, فساسوا الأمة خير سياسة, وقادوها إلى برالأمان، وأعلى مراتب المَجَادة.
وانظر في سيرة أمير المؤمنين معاوية ÷حيث أفاد ممن قبله, وتعلم حسن الطاعة لمن قد سبقه؛ فجمع الله عليه قلوب المهاجرين والأنصار, وصارت سيرته وحلمه مثلًا يحتذى, ونهجًا يقتفى.
وقل مثل ذلك في الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز×.
وإذا قطعت مراحل من التاريخ وأتيت على سيرة ليث الإسلام نور الدين محمود رأيت هذا المعنى واضحًا جليًا؛ فقد تربى في كنف والده عماد الدين زنكي, وأمر عمر بن حفص _المعروف بابن الملاء_ أن يكتب له سيرة عمر ابن عبدالعزيز ليقتفي أثره؛ فكان منه ما كان.
وقل مثل ذلك في شأن تلميذه صلاح الدين الأيوبي _ رحم الله الجميع _.
وقل مثل ذلك في سيرة المربين ممن تربوا تحت كنف العلماء الفضلاء,أو الآباء الحكماء.