فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 161

وإذا لم يُعْرَفْ قدْرُك فيكفيك عِلْمُ الله بك, ولن تعدم مَنْ يقدرون المكارم قدرها؛ فـ [خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ] واستحضر أنك بإِحسانك إلى الناس, وإساءتهم إليك _ أنك كَمَنْ يُسِفُّهم الملَّ, ولا يزال معك من الله ظهير .

قد يكون للمرء مال وفير, وولد كثير.

وقد يكون ذا رئاسة, وتحته من يأتمر بأمره, وينتهي عن نهيه.

وقد يكون لديه ممتلكات من مزارع وعقارات، وأموال.

وقد يكون ذا علم, ولديه طلبة يتقلدون رأيه, ويصدرون عن قوله.

وقد يكون له أولاد وعشيرة يلبون رغباته، ويدفعون عنه السوء.

ولا ريب أن ذلك من النعم التي يستوجب شكرها, ويُسْتَنْكر كُنودُها.

ولكن يحسن بمن كانت هذه حاله ألا يركن إلى ما تحت يده, ويجدر به أن يوطن نفسه على ذهابه وزواله؛ ذلك أن هذه الأشياء التي تكون طوع يمينه وشماله, والتي يظن أنها سبيل سعادته _ قد تكون سبب شقاوته, وقد يتعلق بها؛ فَتَسترِقُّه, وتذله؛ فيكون أسيرًا لها, مكبلًا في أغلالها؛ لأنه يُرى في الظاهر أنه هو السيد, وهو المالك بينما الحقيقة تقول غير ذلك؛ إذ هو المَسُودُ المملوك من جهة أنه لا يستطيع الاستغناء عن هذه الأشياء؛ فيكون فيه وجهُ عبوديةٍ لها من هذه الناحية.

ولهذا قال النبي"في الحديث الذي رواه مسلم: =ليس الغنى عن كثرة العَرَض, وإنما الغنى غنى القلب+."

وجاء في حكمة الحكيم اليوناني ديوجونيس الكلبي قوله: =ليس الغنى بكثرة ما تملك إنما الغنى بكثرة ما تستغني عنه+.

ولله در الإمام الشافعي إذ يقول:

رأيت القناعة كنز الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك

فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك

وصرت غنيًا بلا درهم ... أمرُّ على الناس شبه الملك

ولله در أبي فراس إذ يقول:

إن الغنيَّ هو الغنيُّ بذاته ... وَلَوَ آنَّه عاري المناكب حافي

ما كل ما فوق البسيطة كافيًا ... فإذا قنعت فكل شيءٍ كافي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت