فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 161

كيف وقد تواطأت وصاياهم _ رحمهم الله _ على أن كُلًا يؤ خذ من قوله ويرد إلا النبي"."

وبذلك يحفظ للقوم أقدارهم, وتُنَزَّل آثارُهم على أحسن المنازل, وأنفعها بلا وكس ولا شطط.

يذكر أن مريضًا نفسيًا كان يتوهم أنه حَبَّةٌ؛ فإذا مرَّ به دجاجٌ فَرَّ منها؛ خشية أن تعدو عليه, وتأكله.

فلما رأى حالَه بعضُ محبيه ذهب به إلى طبيب نفسي؛ فشرح هذا المريض للطبيب مشكلته, وبعد جُهْدٍ ولأْيٍ أقنعه الطبيب بأنه إنسان سوي.

ولما هم المريضُ بالانصراف قال: أنا _أيها الطبيب_ اقتنعتُ بأنني إنسانٌ لا حَبَّةٌ, ولكن من يقنع الدجاج بذلك؟

هذه الحكاية تذكرك بأناس عقلاء أسوياء ذوي أخلاق كريمة, ونفوس مطمئنة؛ ولكنهم يُبْتَلون بأناس شرسين سيِّئي الظن؛ فإذا عاملهم العاقل السوي, المهذب الراقي بما تقتضيه طبيعته الطيبة ظنوا ذلك منه سذاجة أو بلاهة, وربما ظنوه تملقًا ومكرًا, ومكايدة؛ فلهذا تراه يحار, ويقول: إنني على خطأ, وإن القوم ربما استضعفوني؛ فلا أريد أن يَشْمَتَ بي الأعداء, ويجعلوني سُبَّةً.

فتقول له:أنت اليد العليا, وأنت المحسن, وأنت الكريم.

فيقول لك: إذًا فمن يقنع هؤلاء بسلامة مقصدي, وطهارة سريرتي؛ فَدَعْنِي وشأني؛ فَسأُغَيِّرُ طباعي, وألبس لهم لَبُوسَهم متمثلًا بقول أبي العلاء:

ولما رأيت الجهل في الناس فاشيًا ... تجاهلت حتى ظُنَّ أني جاهل

وبَعْدُ فهذه الحالة تعتري كثيرًا من النفوس؛ فتهبط بها عن عليائها, ويصبح الناس بسببها قطعانًا من الذئاب الضارية؛ فلا مروءة, ولا تذمم, ولا رعاية, ولا تكرم.

فحق على الكريم العاقل أن يعتصم بالفضيلة, وألا يثنيه عنها جهل جاهل, أو تنكر حاسد.

وإذا اعترضتك مثل هذه الأحوال فاحتفظ بألمعيتك, وطهارة قلبك ومنطقك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت